ناصر عبدالرحمن يكتب: قصة قصيرة من وحي كتابي في الشخصية المصرية.. «حواس تبحث عن جسد»
خمس حواس، وهناك من يحلف أنها ست، والكثير من دوائر المثقفين يعدون على أصابع يديهم سبعاً، وفلاسفة تنطق بثقة ثمانى، وحشاش يوشوش حشيشة، أنه شاهد فى الحارة تسعاً، ومهما كان عدد الحواس، فإنها مهملة، مثل كنز خفى لا يدركه أحد، ككتاب لا يفسر حروفه أحد، المهم فى القضية أن الجسم أصم من غير حواس، والأهم أن الحواس فى الفضاء ضائعة، هربوا من تجار الحواس إلى غير رجعة، تجار الحواس انتبهوا إلى كارثة الضياع، عملية فحص وتمحيص وتفريغ الكاميرات، أين اختفت الحواس، طرق وممرات وغرف، أمام التحقيقات الدولية، شكوك حول سارقى الحواس، هل عادت إلى جسد من باع حواسه؟ هل رجع فى بيعته فقير باع إحدى الحواس؟
خمسة أجساد باعوا الخمس حواس؛ مَن باعت سمعها مقابل شوار ابنتها، ومَن باع نظره مقابل هجرة ابنه، ومن باع أنفه مقابل السكن، ومن باعت لسانها مقابل عملية لزوجها، ومن باع إحساسه مقابل تعليم ابنته، الباعة الخمسة فى أحياء فقيرة خمسة، جسد باع من أحياء عشوائية، وجسد من أحياء بقرى ريفية، جسد اكتشف أنه مدمن شابو ينام بجوار الترع، شاب هارب من جمعية تكافل الأيتام، وجسد باع من حى فقير بشبرا الخيمة، أكيد أنهم يطلبون زيادة المقابل، رجع رجال الأعمال إلى مَن دفعوا ثمن شراء الحواس، أخبروهم أن الحواس الآن ضائعة، وأنهم يبحثون عنها فى كل مكان، لذلك هناك ثمن يضاف لكل حاسة حتى يبدأ العلماء فى تركيب كل حاسة لمن يفقدها، مَن يفتقد النظر دفع الثمن، بعد أن اصطدم وشعر فى توتر بأنه قبل الآن لم يشعر بآلام فقد النظر. يبكى بلا عين فقد شعر بالعمى، وفى نفس الوقت، خرج من مكمنه وظلامه يبحث عن ضوء النظر بنفسه وبماله وبحاجة المحتاج، فبالإفساد سوف يعيد إلى نفسه النظر.
أين الطريق والإجابة ادفع، أين المكان وأين العنوان وأين مَن باع النظر؟ الإجابة أنه يتشابه مع آلاف الحالات، مَن بالذات وبالذات جمعٌ فيه نظر، ادفع وجرب التجربة ممكن أن تعيد إليك النظر، يتعرض فاقد النظر إلى السقوط من قلة النظر، بعدما فقد المال والنظر فقد الأمل، والثانى ينام داخل بلاعة، لا يشم بعدما فقد الشم، يعيش بين البلاعات وبين أسفل الكبارى وبين الخرابات، يستقر بلا شم داخل خرابة كانت فى الأصل فيلا، بيت مساحته كبيرة، ما زال الشجر يثمر التوت والجوافة، وما زال جزء من السور يحجب الطريق، داخل الفيلا خمارة وبقايا خمر، داخلها مسجد وكنيسة وقاعة درس، وبهو وبقايا مكتبة وكتب، ومرتبة على الأرض ومخدة وشرفة بزجاج ملون، يعيش فيها الأصم فى حرية من السمع، أذنه المقطوعة تجعل من الصمت خشوعاً، ومن الركام حياة، يستغرق فى نومه والكتب تسند رأسه.
صوت الغنى الذى يطارد الأصم، تجعل فاقد السمع لا ينتبه لمن يبحث عنه، ورجل وجهه هادئ نبيل فى أحزانه، يرحب بالأصم، يحاول الأصم الهرب، يفاجأ بمن يقيده، لا يسمع الثرى محاولات الأصم للدفاع عن نفسه، ولا يسمع رجل الأعمال ولا العالم، كل متآمر يبغى مصلحة يبكى، فاقد السمع يتوسل للثرى، لكن لا فائدة من البكاء، فأنا لا أسمع الحاجة، يضطر إلى تنفيذ ما جاءوا إليه، لكن المفاجأة أنه يسقط بـ«تعميرة»، ليهرب من بين يديه، أصبح كل من باع مطارداً من أصحاب المصالح، الشاب المدمن قبل البيع كان وسيماً كان يصارع للحاق بالأولمبياد، أول الجمهورية لكن الشاب المصارع، أخطأ حينما صارع ابن نادٍ كبير، كيف لهذا البطل الفقير، أن يمثلنا فى الأولمبياد وهو لا يتقن اللغات، يسافر ابن النادى الكبير، ويمرض ابن مركز الشباب، يدمن ويدبل الرجاء فى عروقه، ويدمن الشابو ويبيع إحساسه، ثم يطارَد ويهدد بالقتل، لأن حاسته هربت، لا بد أن يأتى بالإحساس ويخلعه من مكمنه، لا بد أن يفقد مَن باع إحساسه.
رجال الأعمال والمصالح، يطاردون كل مَن باع، ليس لأجل إعادة الحواس لأجسادهم، لكن لاحتمالية عودة الحواس، المطاردة تدخل مرحلة التوهان، عندما يقرر مَن اشترى الحواس، مطاردة الفقراء من الأحياء، كيف لمن تنازل عن حاسته أن ينتظر عودتها إليه؟ وكذلك كيف لمن يملك المال أن يعيش بغير حواس؟ التطور ذكى، والتكنولوجيا صُنعت لأصحاب المال، الحواس تُشترى بالأموال، وفاقدها عليه اللعنة، لعنة مطاردة الحواس، نعم إن الحواس فى فضائها لا ترجو إلا أن تعود إلى جسد أصحابها، دائرة الشك حلقة مغلقة، ودائرة الحب إطلاق حر، كل الأطراف تطارد بعضها.
أجساد بلا حواس، بعدما باعوا الحواس، وحواس ضائعة تبحث عن أصولها، وأثرياء تاجروا بالعلم وانتفعوا، وأثرياء بأموالهم يطلبون الحواس.. أكشن فى أكشن، وشك فى شك، وخوف وقلق ومكر، الكل يفقد الحواس، والكل يدّعى الملكية، والحواس نفسها ضائعة تبحث عن إنسان.