محور الحلقة الثالثة من «دولة التلاوة».. كيف واجه الشيخ محمد رفعت مرض حنجرته؟

كتب: عبد العزيز سلامة

محور الحلقة الثالثة من «دولة التلاوة».. كيف واجه الشيخ محمد رفعت مرض حنجرته؟

محور الحلقة الثالثة من «دولة التلاوة».. كيف واجه الشيخ محمد رفعت مرض حنجرته؟

في حلقة خاصة تمجِّد تاريخ التلاوة المصرية، كرَّم برنامج «دولة التلاوة» في الحلقة الثالثة منه، واحدًا من أبرز رموز المدرسة الصوتية المصرية، الشيخ محمد رفعت، الرجل الذي ظل صوته جسرًا ممتدًا بين الأرض والسماء، ومرجعًا فريدًا في فن تلاوة القرآن، وصاحب البصمة التي بقيت حاضرة رغم مرور عقود على رحيله.

البرنامج استعاد، بصوت الإعلامية إسعاد يونس، ملامح شخصية الشيخ رفعت وصوته، واصفًا إياه بعبارات أعادت المستمعين إلى تلك اللحظات التي كان فيها صوته ينساب عبر الأثير كأنه دعاء مفتوح، أو خشوع يعلو فوق ضجيج العالم.

مولد في «المغربلين» وصوت من نور

وُلد الشيخ محمد رفعت في 9 مايو عام 1882 في حي المغربلين ثم نشأ في درب الأغوات بالسيدة زينب، وفي طفولته المبكرة فقد بصره وهو في الثانية من عمره؛ غير أن الله عوّضه ببصيرة نافذة جعلت صوته طريقًا للنور.

حفظ القرآن في سن الخامسة داخل كُتّاب مسجد فاضل باشا، وتعلّم على يد شيخه الأول محمد حميدة قبل أن يتعمَّق في علم القراءات والتجويد على يد الشيخ عبدالفتاح هنيدي، صاحب أعلى سند في زمانه، والذي منحه الإجازة.

كبر الطفل محمد رفعت سريعًا بعد وفاة والده وهو في التاسعة، فصار عائل أسرته، لكنه حمل مسؤولياته بصوت يزداد رسوخًا ونقاءً يومًا بعد يوم.

أيقونة الإذاعة وبداية عصر جديد

اليوم الفارق في مسيرته كان 31 مايو 1934، حين افتتحت الإذاعة المصرية أول بث رسمي لها بصوته، بعد أن أفتى شيخ الأزهر بجواز إذاعة القرآن الكريم، فارتفع صوته يتلو آيات من سورة الفتح، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ التلاوة، ولتتجاوز شهرته حدود مصر، إذ أبدت الإذاعة البريطانية إعجابًا شديدًا بأدائه وطلبت تسجيل تلاوات خاصة، فقرأ لهم سورة مريم بصوت سيظل مرجعًا للباحثين والدارسين حتى اليوم.

صوت الشيخ رفعت ارتبط عند المصريين بشهر رمضان، فأذانه وتلاوته قبل الإفطار أصبحا جزءًا أصيلًا من ذاكرة الشهر الكريم، حتى لُقّب بـ«مؤذن رمضان».

الابتلاء في أحب ما يملك

وفي قمة عطائه، أصيب الشيخ رفعت عام 1943 بمرض في الحنجرة أزمّ صوته وأوقف مسيرته، فكان الابتلاء في أثمن ما يملك: حنجرته الذهبية، أنفق كل ما ادّخره في سبيل العلاج، ومع ذلك رفض أي مساعدات مالية من محبيه، مرددًا عبارته الشهيرة: «قارئ القرآن لا يُهان».
ظل ثابتًا حتى رحيله في 9 مايو 1950، في اليوم نفسه الذي وُلد فيه، كأن حياته دارت دورة كاملة بين ميلاد وصوت ورحيل، لكن الأثر بقي خالدًا.

إرث خالد لا يغيب

رغم مرور أكثر من سبعين عامًا على وفاته، لا يزال صوت الشيخ محمد رفعت حاضرًا في وجدان المصريين والعالم الإسلامي، فتلاواته التي تجمع بين الخشوع والقوة والتأثير ما زالت تُدرَّس في مدارس التلاوة، ويُستشهد بها بوصفها النموذج الأكمل للمدرسة المصرية.

وقد أعاد «دولة التلاوة» في حلقته الثالثة تسليط الضوء على هذه القامة الفريدة، مستعرضًا مسيرة رجل لم يكن مجرد قارئ، بل كان حالة روحانية متفرّدة، ونغمة من السماء ما زالت تهزّ القلوب كلما ارتفعت عبر الأثير.