محاكمة تكشف وهم واحة الديمقراطية (1)
لطالما صدَّر لنا الغرب أن إسرائيل هى واحدة من أنجح الديمقراطيات فى العالم، وكثيراً ما أشار بعض العرب -للأسف- إليها باعتبارها واحة الديمقراطية فى الشرق الأوسط.
ورغم أن الديمقراطية، فى أبسط تعريف لها، تقوم على حُكم القانون والمساواة أمامه، فإن من يرددون هذه الأكذوبة يعرفون، تمام المعرفة، بأن دولة الكيان الاستيطانى تأسَّست على فكرة عنصرية إقصائية (الصهيونية)، وهو ما يتناقض مع أسس الدولة الحديثة التى تقوم على قبول الآخر والتعايش معه والتساوى معه أمام القانون، وتتناقض أيضاً مع فكرة العلمانية التى استفادت منها الصهيونية لتحرير الجماعات اليهودية فى أوروبا تحديداً بعد قرون من التمييز والاضطهاد فى العصور الوسطى.
ومن يتابع محاكمة بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلى، يرصد بالعين المجردة ما يدور على مسرح السياسة الإسرائيلية، حيث تتداخل الملهاة مع المأساة، ويعرف كيف تتم تسوية الصفقات على نار هادئة فى أفران السرية.
بنيامين نتنياهو يلعب دوره ببراعة فى عرض «الهروب من المحكمة»، ويقوم القضاة هناك، ومعهم وزراء حكومته من المتطرفين، أمثال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومى إيتمار بن غفير، بالأدوار المساعدة، والهدف أن يفلت «بيبى» -كما يناديه الغرب- من المحاكمة مهما كان الثمن.
وآخر مشاهد هذا العرض الهزلى هو ما كشفته صحيفة «معاريف» عن وجود صفقة عفو تتم صياغتها فى سرية تامة للعفو عن نتنياهو.
وحسبما أشارت الصحيفة فإن ما يتم التحضير له ليس عفواً عادياً يُخرجه إلى التقاعد، لكنه اتفاق ادعاء «إبداعى»، لا يُعنى كثيراً بمفهومَى الـ«عدالة» أو الـ«نزاهة»، لكنه يبحث فقط عن مخرج يُرضى الجميع، ويُبقى «بيبى» فى كرسيه على رأس الحكومة، دون أن يبدو الأمر فجاً جداً.
الصيغة المطروحة، كما تقول «معاريف»، هى شىء يؤدى إلى «ذبول الملفات» فقط، وليس إغلاقها، حتى لا يثور الغضب، وهذه العملية تتم ببطء -وبحذر أيضاً- عبر تلميحات لا تتيح للعدالة أن تستيقظ من غفوتها، وتتعطل الصفقة.
وما يجرى ليس من قبيل المصادفة، فالتقارير تشير إلى أن رسالة الرئيس ترامب الداعمة، ودعوات رئيس المحكمة العليا السابق لإغلاق الملفات، والتسريبات حول محادثات العفو بين الرؤساء، كلها «لا تولد من فراغ».
وكما يقول المثل «المزارع لا يحرث الأرض إذا لم تكن لديه نية ليزرع فيها شيئاً»، فإن المزارع نتنياهو يحرث، والقضاة والرؤساء يسقون، والعفن القانونى ينمو فى واحة الديمقراطية المزعومة.
القضايا التى يحاول نتنياهو أن يجعلها «تذبل» ليست هيِّنة، لكنها ثلاثية تشرح علاقة الرجل بالسلطة، وتكشف عن الامتيازات التى تحصَّل عليها بطرق غير مشروعة.
القضية الأولى رقم 4000 المعروفة بـ«بيزك/ واللا» تتصدَّر الملفات، وتتضمَّن اتهامات بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وتشير إلى قيام نتنياهو بمنح مزايا تنظيمية ضخمة لشركة الاتصالات الإسرائيلية «بيزك» مقابل حصوله هو وزوجته سارة وبقية أسرته على تغطية إيجابية ومحاباة على موقع «واللا» الإخبارى الذى كان يملكه رئيس الشركة السابق.
والقضية الثانية رقم 1000، وتكشف عن حب «بيبى» للهدايا، بشرط أن تكون فاخرة، ومستمرة، وقادمة من مليارديرات، سيجار فاخر، شامبانيا، مجوهرات بمئات الآلاف من الدولارات، وهى ليست رشاوى -بحسب الدفاع- لكنها «تعبير عن الصداقة»!.
وتتضمَّن القضية الثالثة رقم 2000، المعروفة بـ«ملف يديعوت أحرونوت»، محاولة نتنياهو هندسة الخريطة الإعلامية لصالحه، بالاحتيال وخيانة الأمانة، بعد تفاوضه على صفقة مع ناشر صحيفة «يديعوت أحرونوت» لتقديم تغطية إيجابية لحسابه فى الصحيفة، مقابل سَن تشريع لإضعاف الصحيفة المنافسة «إسرائيل اليوم».
هذه التهم، مجتمعة، ترسم صورة «نموذجية» للفساد، حيث يرى المسئول الدولة مزرعته الشخصية، والسلطة أداة للمقايضة، والعدالة عائقاً تقنياً يجب تجاوزه.