حكايات من صناعة السينما (2): قصة ليلى مراد (1)

عمرو الليثى

عمرو الليثى

كاتب صحفي

■ أنور وجدى.. النار التى أضاءت حياتها

حكى لى عمى جمال الليثى عن أنور وجدى وليلى مراد، فقد كان صديقاً لهما، وقال لى: كان لقاؤهما أشبه بشرارةٍ سقطت فى قلبٍ مبلَّلٍ بالحنين، فاشتعلت دون أن تحرق، وأضاءت دون أن تنطفئ سريعاً. حين التقت ليلى مراد بـ أنور وجدى، لم يكن أحدهما يبحث عن الآخر، لكن الحياة أحياناً تدبِّر لقاءاتٍ لا تفسير لها إلا بالعاطفة.

كانت هى قادمةً من عالمٍ من الموسيقى والضوء، تحمل فى صوتها دفء الأم ودمعة العاشق، وكان هو الممثل العصامى الذى يعرف أن المجد لا يُعطى، بل يُنتزع، التقيا فى كواليس السينما، حيث تختلط رائحة المساحيق بالعرق، وتتجاور الأحلام على مقاعد الانتظار. لم يتحدَّثا كثيراً فى البداية، لكن العيون كانت تقول ما لا تجرؤ الكلمات على قوله.

فى أول فيلم جمعهما، كانت الكاميرا أصدق من الواقع، كانت ترصد ذلك التوتر الخفىَّ بينهما، ذلك الميل البرىء الذى كان ينمو بين نظرةٍ وضحكةٍ، حتى صار حباً مكتملاً، يشبه اللحن الذى يبدأ صدفة، ثم يملأ الأذن والقلب معاً.

كان أنور وجدى رجلاً شديد الطموح، يرى الفن ساحة حرب، ويرى فى ليلى السلاح الأجمل. أما هى، فكانت امرأة تؤمن أن الحب أسمى من المجد، وأن النجاح لا يساوى شيئاً إن لم يكن فى عينَى من تحب.

حين أحبَّته، أحبَّته بكل بساطتها، كما تُحبُّ زهرة الشمس النور: دون شروط، وكان هو يرى فيها أكثر من نجمة، كان يرى فيها وطناً صغيراً يلوذ إليه من تعب العالم، وحين تزوَّجا، كانت القاهرة كلها تُغنِّى لهما، كانت الصحف تُسمِّيهما «الزوجين الذهبيين»، وكان الناس يتبادلون صورتهما كأنهما أسطورة من أساطير السينما، لكن النار التى تُضىء، تحرق أحياناً، فبين النجاح والعاطفة خيطٌ رفيع، وحين اجتمع الاثنان فى بيتٍ واحد، بدأ الصراع الصامت بين القلب والمجد.

كانت الغيرة تُطلُّ بين مشهدٍ وآخر، وكانت الكبرياء تهمس لهما أن الحب لا يحتمل المنافسة. ومع ذلك، ظلَّ فى عيونهما بريقٌ لا يخمد، كأن شيئاً فى داخلهما كان يعرف أن النهاية مهما كانت، ستبقى جميلة لأنها بدأت بصدق. لقد كان أنور وجدى نارها الأولى، أوقدها على طريق الفن، وأشعل فيها الحلم، ثم تركها تمشى فى ضوء تلك النار وحدها، تُكمل ما بدأته، وتغنِّى كما لم تغنِّ امرأة من قبل. وإذا كان الحب يُقاس بما يتركه فينا، فقد ترك أنور فى قلب ليلى بصمة لا تُمحى، وشعلةً ظلت تُضىء صوتها حتى بعد أن خمدت أعمدة المسرح.

■ الخلافات التى تُغنَّى وتُبكى

بعد الزفاف الأسطورى، ظنَّ الناس أن ليلى مراد وأنور وجدى سيعيشان الحكاية كما فى الأفلام التى صنعاها معاً. لكن الأفلام تنتهى دائماً قبل أن تبدأ الحياة، وفى حياتهما، كان الفصل الثانى أكثر صدقاً.. وأكثر وجعاً، كانت ليلى امرأة شفافة، تُدير بيتها كما تُغنِّى: بعاطفةٍ صافية، تمنح وتسامح وتؤمن أن الحب كالأغنية، لا يحتمل الكذب، أما أنور، فكان رجلاً من نار، يعيش بالفن، ويغار بالفن، ويحترق بالفن، وحين اجتمع الاثنان فى بيتٍ واحد، بدأ الصراع بين القلب والمجد.

كانت الكاميرا تشهد عليهما، فى كل فيلمٍ جديد، كان الحب يطلُّ فى اللقطة الأولى، ثم تنتهى المشاهد على وجعٍ لا يراه الجمهور، كان يُخرجها كممثلة، لكنها كانت تشعر أنه يُخرجها كأنثى يريد أن يُعيد تشكيلها على هواه. كانت تريد أن تغنِّى للحب، وكان يريد أن يُخرج الحب كما يتخيله هو.

وفى كل مرة كانت تحاول أن تشرح له مشاعرها، كان يردُّ بابتسامةٍ متعبة: «الحب وحده لا يصنع فيلماً ناجحاً، يا ليلى».

لكنها كانت تعرف أنَّ ما بينهما أكبر من فيلم، وأنَّ كل خلافٍ بينهما يترك جرحاً صغيراً فى الأغنية القادمة. كانت تغنِّى بعد كل خلاف، فتبدو الأغنية كاعتذارٍ ناعمٍ لا يُقال بالكلمات. وكان هو يُخرج أفلاماً بعد كل صمتٍ بينهما، كأنه يحاول أن ينتصر عليها بالشريط السينمائى، وبين كل نجاحٍ وفشل، كانت النار تزداد اشتعالاً، والحب يتحوَّل إلى صراعٍ جميلٍ لا أحد يريد أن ينهيه.

كانت الصحافة تكتب عن «خلافاتٍ بسيطة بين الزوجين الذهبيين»، لكن الحقيقة كانت أعمق من ذلك: كانا يُحبان بعضهما حتى الاختناق، ومع كل دمعةٍ خلف الكواليس، كانت ليلى تزداد نضجاً، وصوتها يزداد دفئاً، كأن الألم كان يُصقلها كما يصقل البحر حجارة الشاطئ.

أما أنور، فكان يرى فيها مرآته التى تكشف ضعفه وقوَّته فى آنٍ واحد، ويخاف من حبِّه لها لأنه يعرف أنه لا يقدر على العيش بدونها. وهكذا، صارت خلافاتهما تُغنَّى على الشاشة وتُبكى فى الحياة، وأصبح الحب بينهما مزيجاً من الفن والجنون، كلما خمدت ناره اشتعلت من جديد، حتى ظنّ الناس أن الله خلقهما ليُتقنا الشوق لا ليعيشا السكينة.

■ حين بكت الكاميرا

لم يكن الطلاق بين ليلى مراد وأنور وجدى حدثاً عابراً فى حياة فنانين، بل كان فصلاً حزيناً من روايةٍ كتبتها العاطفة بصدقٍ، ثم مزَّقتها الكبرياء ببطء. لقد كانا يشبهان لحنين جميلين التقيا صدفة، لكن كلاً منهما أراد أن يكون النغمة الأعلى.

فى الأيام الأخيرة، كان الصمت بينهما أكثر من الكلام، والنظرات تحمل ما لا تجرؤ الكلمات على قوله. كانت ليلى تُدرك أن شيئاً ما فى الحب بدأ يبهت، لكنها كانت تغنِّى لتُنقذه، كما يُغنِّى الغريق للبحر لعلَّه يحنُّ عليه. وكان أنور يُخفى خلف صلابته جرحاً لا يُرى، فهو الرجل الذى اعتاد أن يُدير كل شىء، حتى المشاعر التى لا تُدار.

وحين جاء اليوم الذى قرَّرا فيه الانفصال، لم يكن هناك صخب ولا دموع أمام الناس، بل وجعٌ هادئ، يشبه موت وردةٍ بعد طول انتعاش. وقَّعا الأوراق كما لو كانا يُغلقان باباً يعرفان أنه لن يُفتح ثانية، لكن الكاميرا، تلك التى شهدت ميلاد حبهما، كانت تراقبهما فى صمتٍ كئيب، كأنها تبكى هى أيضاً.

لم يكن الجمهور يصدِّق الخبر، كيف ينفصل الحبيبان اللذان علَّما الناس معنى الرومانسية؟

كيف تفترق اليدان اللتان تشابكتا فى عشرات المشاهد؟ لكن خلف الوجوه التى نراها على الشاشة، ثمة تعبٌ لا تراه العدسات.

ليلى مراد لم تكن تبكى أمام أحد، لكنها حين تغنِّى، كانت الدموع تختبئ بين النوتات.

وفى صوتها، صار هناك حزنٌ جديد، حزن امرأةٍ تجرَّعت الفقد، لكنها ما زالت تُحبّ رغم كل شىء.

أما أنور، فكان يمضى فى طريقه كمن يُخفى فى جيبه بقايا أغنيةٍ لا يريد أن يسمعها كى لا ينهار.

لم يكن طلاقهما نهاية قصة حب، بل بداية حنينٍ طويلٍ سيظلُّ يسكن أغانيها إلى الأبد. وحين سُئلت بعد أعوام عن تلك العلاقة، ابتسمت وقالت: «كنا نغنِّى للحب.. حتى ونحن نبكيه». هكذا بكت الكاميرا، وبكى الحلم معها، لكن الفنَّ ظلَّ شاهداً على قصةٍ لم تخسر بريقها، بل صارت جزءاً من ذاكرة العاشقين فى كل زمان.

■ المرأة التى اتُّهمت باليهودية

فى لحظةٍ واحدة، انقلبت الأضواء إلى ظلال، وصارت النجمة التى يُغنِّى لها الناس، تُغنِّى ضدها الهمسات. لم تكن ليلى مراد تعلم أن الحنين يمكن أن يتحوَّل إلى تهمة، ولا أن الصوت الذى جمع القلوب يمكن أن يُصبح سلاحاً يُوجَّه نحوها.

حدث ذلك فى منتصف طريق المجد، حين بدأت الشائعات تملأ الصحف، تقول إن ليلى مراد «يهودية»، وإنها أرسلت مالاً لإسرائيل، وكأن الانتماء صار عاراً، وكأن الفن لا يغفر لمن يغنِّى للعاطفة بدل الشعارات.

فى تلك الأيام، كان الوطن حساساً، يتنفَّس السياسة أكثر مما يتنفَّس الفن، وكانت الكلمة قد ترفع أو تقتل. وحين وصل الخبر إلى مسامعها، تجمّد صوتها للحظة، ثم قالت بهدوءٍ يشبه الصبر: «أنا مصرية، قلبى وطنى، وغنائى ابتهال للحياة»، لكن الكلمات وحدها لا تكفى حين تتكلم الشائعات. توقَّف المخرجون عن الاتصال، وتردَّد الموزعون فى عرض أفلامها، وصار الصمت أقسى من أى حكمٍ قضائى. كانت تمشى فى بيتها كمن يبحث عن نفسه، وتسأل المرآة: «هل يمكن أن يشكَّ الناس فى أغنية؟».

لم تدافع عن نفسها بالصوت العالى، بل بالصوت الذى تعرفه أكثر من أى شىءٍ آخر.. صوتها وهى تُغنِّى للوطن، بخشوع المؤمن الذى يرفع صلاته إلى السماء. غنَّت «يا رايحين للنبى الغالى»، فبكت معها القلوب التى كانت تظنها غريبة. كانت تلك المحنة امتحاناً لروحها، امتحاناً للفن حين يُختبر بالشك. لكنها خرجت منه كما تخرج النار من الرماد: أنقى، وأصدق، وأكثر قرباً من الناس. فقد تعلّمت أن الشهرة لا تحمى أحداً، وأن الحقيقة لا تصرخ، بل تصمد.

وفى نهاية تلك العاصفة، صدر البيان الذى برَّأها من كل اتهام، لكن الناس كانوا قد عادوا إليها قبل البيان، عادوا لأنهم حين سمعوا صوتها، عرفوا أن من يغنِّى بتلك الطهارة لا يمكن أن يخون. وهكذا، أثبتت ليلى مراد أن الانتماء ليس ورقةً فى السجلات، بل نغمةٌ فى القلب، وأن الفن، حين يكون صادقاً، يُطهِّر صاحبه من كل اتهام.