الإعلامية ميرفت سلامة.. رحلة إبداع وذكريات لا تنسى من الإذاعة إلى الشاشة

كتب: أمنية سعيد

الإعلامية ميرفت سلامة.. رحلة إبداع وذكريات لا تنسى من الإذاعة إلى الشاشة

الإعلامية ميرفت سلامة.. رحلة إبداع وذكريات لا تنسى من الإذاعة إلى الشاشة

رحلت الإعلامية القديرة ميرفت سلامة بعد صراعٍ قصيرٍ مع سرطان المعدة، والذي ظهرت أعراضه عليها قبل أشهر قليلة فقط، ما أدى إلى تدهور سريع في حالتها الصحية، ونُقلت إلى أحد المستشفيات في القاهرة إثر تعرضها لهبوط حاد في الدورة الدموية، وظلت في العناية المركزة حتى وافتها المنية، وأكد ابن شقيقها خبر الوفاة، لتنتهي مسيرة إبداعية من العمل الإعلامي.

معلومات عن الإعلامية ميرفت سلامة

نشأت ميرفت سلامة في أسرة فنية، فهي الشقيقة الصغرى لكل من الموسيقار جمال سلامة والموسيقار فاروق سلامة، وكانت أرملة الدكتور فوزي فهمي، الذي شغل منصب رئيس أكاديمية الفنون الأسبق، وكان والدها يعمل عازفًا في الأوركسترا السيمفوني، حرص على غرس حب الموسيقى في نفوس أبنائه، فاستعان بمدربين أجانب لتعليمهم العزف.

تعلمت ميرفت سلامة الموسيقى ودرست العزف على البيانو والنوتة بالفعل، لكنها لم تجد في نفسها الموهبة الكافية في العزف، فأكملت دراستها في المعهد العالي للفنون المسرحية في قسم النقد والدراما، وحصلت أيضًا على دبلومة عليا في المسرح، بحسب تصريح سابق لها خلال لقاء مع إسعاد يونس في برنامج «صاحبة السعادة».

ميرفت سلامة

بدأت ميرفت سلامة أولى خطواتها المهنية من بوابة الإذاعة، حيث عملت مذيعةً ومساعد مخرج لمدة عام كامل، قبل أن تنتقل إلى العمل مع المخرج مصطفى أبو حطب، الذي تعتبره أحد الأسماء التي تعلمت منها الكثير في بداياتها.

دخولها ميرفت التلفزيون المصري عن طريق المصادفة، لتبدأ فصلًا جديدًا في مسيرتها من خلال برامج الأطفال، إيمانًا منها بأنّ مخاطبة الصغار تعني الوصول إلى الكبار أيضًا، وهي الفكرة التي استوعبتها من النجمة نجوى إبراهيم، التي كانت ترى أن المذيعة يجب أن تجمع بين الحضور والصوت معًا، وقالت ميرفت معبرة عن ذلك: «ما ينفعش المذيعة صوتها يكون مسرسع وبتقدم نشرة ونختارها علشان شكلها».

حبها للمسرح لم يولد على الشاشة، بل بدأ مبكرًا منذ سنوات دراستها الثانوية، حينما كانت تجلس أمام التلفزيون تتابع الفنانة منى جبر وهي تقدم برنامج «تياترو» بإعجاب شديد، قبل أن يعود الزمن ليمنحها المقعد ذاته بعد اعتزال منى جبر، التي رأت فيها الأنسب لهذا النوع من البرامج، وفي رحلتها التلفزيونية، قدّمت ميرفت سلامة مجموعة من البرامج التي تركت بصمة لدى المشاهدين، وكل برنامج منها كان يحمل قصة مختلفة في الفكرة والبداية والدافع، لتصنع لنفسها خطًا خاصًا في التلفزيون المصري ظل حاضرًا حتى رحيلها.

لم تكن أفكار برامج ميرفت سلامة وليدة المكاتب، بل خرجت من تفاصيل الحياة اليومية، فبينما كانت في طريقها إلى الإسكندرية، لفت نظرها لافتة مرورية تقول: «لف وارجع.. فيه تصليحات»، لتتوقف أمام فكرة بسيطة ومختلفة وهي لماذا لا تتحول علامات المرور إلى قصص؟ ولماذا لا يصبح المشوار الإنساني نفسه رحلة يمكن التعبير عنها بهذه الإشارات؟ ومن هنا وُلد برنامج «مسافة وعلامة».

وبروح الفضول ذاتها، جاء برنامج «فاكس» في زمن كان فيه جهاز الفاكس اكتشافًا جديدًا يُثير دهشة الجميع، فقررت استكشاف هذا الجهاز «كيف يعمل؟ وما دوره؟ وكيف يمكن أن يتحول إلى فكرة برنامج قريبة من الناس؟» فخرج العمل بأسلوب خفيف ومباشر، يعكس شغفها بكل ما هو جديد ومتغير.

أمّا برنامج «المد والجزر»، فكانت شرارته لحظة هادئة على الشاطئ، حين جذبتها حركة الموج وهي تجلس مع صديقتها، وتساءلت كيف يمكن تحويل هذه الظاهرة الطبيعية الجميلة إلى مادة علمية مصورة تُقدَّم للناس بطريقة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه؟ فكان البرنامج تجربة تجمع بين العلم والحياة اليومية، وتكشف طريقة ميرفت سلامة المختلفة في تحويل التفاصيل الصغيرة إلى أعمال تبقى في الذاكرة.

ميرفت سلامة

مواقف فارقة ومناصب قيادية

لم تخلُ مسيرة ميرفت سلامة من المواقف الطريفة التي بقيت في ذاكرتها وذاكرة من تابعها، ومن أبرزها ما حدث أثناء تقديمها برنامج «المسرح الصغير» على الهواء مباشرة، حين اقتحمت قطة الاستوديو وجلست على قدمها، وتعاملت ميرفت مع الموقف بعفويةٍ كاملةٍ، ربتت على القطة وحوّلت اللحظة إلى قصة تحكيها للأطفال دون أن تتردد أو توقف البث، لتقول بعدها ضاحكة: «ما خفتش ولا وقفت الهوا»، في لقطة تلخص خفة ظلها وسيطرتها على الشاشة.

وفي المقابل، شكّلت سهرتها الوثائقية عن المفكر الكبير جمال حمدان محطة مفصلية في مشوارها الإعلامي، فبعد وفاته، كُلّفت بإعداد حلقة عنه، فجلست 10 أيام تقرأ أعماله وتحللها بدقة، لتقدّم سهرة امتدت لساعتين كاملة، استضافت خلالها أسماء بارزة بينهم الكاتب الكبير أنيس منصور، وبمساعدة زوجها الدكتور فوزي فهمي في اختيار الضيوف، وكان هذا العمل، كما قالت لاحقًا، اللحظة التي قدّمها فيها الوسط الثقافي باعتبارها إعلامية واعية وصاحبة رؤية.

ولم يتوقف تأثيرها عند الشاشة فقط، فقد شغلت ميرفت سلامة عدة مناصب قيادية في ماسبيرو، بينها رئيس الفضائية المصرية، ونائب رئيس التلفزيون، وهي المناصب التي رسخت صورتها كإعلامية تجمع بين العمق والروح المرحة، وقد وصفتها الفنانة إسعاد يونس بأنّها نموذج نادر يجمع بين المعرفة والقدرة على تقديمها بطريقة لطيفة وجاذبة، تجعل الثقافة مادة محببة للمشاهد، وتمنح حضورها تميزًا يصعب تقليده.