وليد خيري يكتب إحياء الحواس عند عزت القمحاوي.. بلاغة الحواس في استعادة الجسد المسروق
وليد خيري يكتب إحياء الحواس عند عزت القمحاوي.. بلاغة الحواس في استعادة الجسد المسروق
في خضم عالم يمضي متسارعا نحو التجريد، حيث تُختزل التجربة الإنسانية في شاشات باردة وأرقام صماء، وحيث تسعى الأيديولوجيات الكبرى، دينية كانت أم دنيوية، إلى تدجين الجسد وترويض غرائزه، ينهض مشروع روائي فريد من نوعه، لا ليروي حكاية، بل ليعيد إلينا ما كدنا نفقده: القدرة على الشعور بالعالم.
هذا هو، في تقديري، جوهر المشروع الإبداعي الذي دأب الروائي والقاص المصري عزت القمحاوي على تشييده نصا تلو الآخر. إنه مشروع "إحياء الحواس"، وهو ليس مجرد اختيار أسلوبي أو حلية بلاغية، بل هو موقف وجودي وفلسفي عميق من الإنسان والعالم والكتابة ذاتها.
يخبرنا القمحاوي "الشغف بالحواس هو مفهومي عن الحياة"، وبأنها "أصدق وسيلة للحصول على المعلومات وأصدق وسيلة للعلاقة مع العالم"، فإنه لا يقدم مفتاحا لقراءة أعماله فحسب، بل يضع إصبعه على جرح الحداثة الغائر.
لقد علمتنا الأزمنة الحديثة أن نشكك في حواسنا، أن نعتبرها أدوات قاصرة للخداع والوهم، وأن نسمو عليها بالعقل المجرد والقانون الصارم والعقيدة المغلقة.
أما القمحاوي، فيأتي ليقول العكس تماما: إن الخلاص ليس في الهروب من الجسد، بل في العودة إليه؛ ليست الحقيقة في الفكرة المجردة، بل في التجربة الحية الملموسة التي تنقلها لنا حواسنا.
من هنا، تصبح كتابته فعل مقاومة ضد كل أشكال الانغلاق التي تخشى الجسد وتعتبر الحواس بوابة للغواية والخطيئة، وهو ما يؤكده بقوله الصريح: "الخوف من الحواس صفة للضعف الحضاري والانغلاق. وأيديولوجيات الانغلاق سواء كانت دينية أو دنيوية تعادي الحواس".
إن إماتة الحواس، كما يراها، هي أسلوب السلطة للسيطرة على البشر وسلبهم حياتهم لصالح أهدافها الخاصة.
اللغة كأداة استشعار: كيف تُكتب الرائحة والصوت والملمس؟
إن التحدي الأكبر أمام كاتب يتبنى الحواس مشروعا له هو تحدي اللغة نفسها. فاللغة، في جوهرها، أداة تجريدية.
كيف يمكن لكلمات مرصوفة على ورق أن تنقل رائحة التراب المبلل بالمطر، أو ملمس الحرير البارد، أو طعم الخبز الطازج، أو وقع خطوات على سلم خشبي في جوف الليل؟ هنا تتجلى عبقرية القمحاوي اللغوية. هو لا يصف العالم، بل يستنطقه عبر لغة تتحول هي ذاتها إلى حاسة سادسة.
لغته ليست مجرد وعاء للمعنى، بل هي نسيج حسي. الجمل عنده لا تنقل أفكارا فحسب، بل تنقل إحساسات.
في سرده، نجد دوما "مشاركة في متطلبات الشعر"، حيث لا يكتب ليحلل، بل ليستدعي القارئ ويشركه في تتبع مصائر الشخصيات.
لنقرأ هذا المقطع من "بيت الديب": "اشتعل غضبها على منتصر وعلى نفسها، فأخذت الغرفة تعبق برائحته، وتردد في أذنها لهيب صوته: «إزيك يا مباركة؟» فانبسطت رحمها المتألمة رغبة في الغائب".
هنا، الغضب له رائحة، والصوت له لهيب، والرغبة فعل فيسيولوجي محسوس. إنه ينحت الكلمات ليجعلها قادرة على حمل ما هو أثقل من المعنى: الإحساس الخام. في "مدينة اللذة"، نجد نزوعا واضحا إلى "قصيدة النثر"، حيث اللغة هي الأنسب لروح الأسطورة التي تسكن العمل. هذه القدرة على استدراج السرد إلى المقال الصحفي، واستعارة الاختصار والوضوح من الصحافة إلى النص الروائي، تخلق نوعًا فريدًا عابرًا للأجناس الأدبية.
هذا الاهتمام الحسي باللغة يمتد إلى إيقاع السرد نفسه. فالجملة القمحاوية تتنفس مع إيقاع الشخصيات. تطول وتتلوى في لحظات التأمل والتذكر، وتصبح قصيرة، لاهثة، متقطعة في مشاهد الخوف أو الترقب. القراءة له ليست فعلا ذهنيا خالصا؛ إنها تجربة شبه جسدية، حيث يجد القارئ نفسه متورطا حسيا في النسيج السردي، يشعر بالبرد حين يصف البرد، ويتذوق المرارة حين تتجرعها شخصياته.
الجسد: الأرشيف الصادق للذاكرة والتاريخ
في قلب هذا المشروع الحسي، يقف الجسد بطلا ومسرحا وضحية. شخصيات القمحاوي لا تفكر بعقولها فقط، بل بأجسادها كلها. الجسد هو أرشيف الذاكرة الأصدق، هو المخطوطة التي نُقشت عليها كل الأفراح والآلام والهزائم والانتصارات. الذاكرة عند القمحاوي ليست صورا ذهنية باهتة، بل هي ومضات حسية تستدعيها رائحة مفاجئة، أو أغنية عابرة، أو ملمس قماش قديم.
في رائعته"بيت الديب"، التي حازت على جائزة نجيب محفوظ، لا تُروى حكاية القرية وتاريخها الممتد عبر الأجيال عبر الوثائق أو السجلات، بل عبر أجساد أهلها. أجساد الفلاحين المنحنية التي تحمل ذاكرة الأرض والجفاف والشقاء. أجساد النساء التي تختزن حكايات الحب المكتوم والولادات المتعسرة والفقد.
شخصية "مباركة" هي التجسيد الأنصع لهذه الفكرة؛ فهي "تستنطق حتى الحجر" بحثا عن حبيبها الغائب "منتصر"، الذي لم تكن تحتاج إلى ذاكرة لتتذكره، بل "كانت تستطيع أن تلاحق أثر رائحته في شيء مسه أو شخص صافحه بعد سبعين يوماً".
إنها علاقة معرفية حسية تتجاوز حدود الذاكرة العقلية. الجسد هنا هو بؤرة الصراع بين الغريزة والقمع، بين الطبيعة والثقافة، بين الأسطورة والواقع.
أما في أعمال أخرى مثل "غرفة المسافرين"، يتخذ الجسد طابعا آخر، لكنه يظل مركزيا. في المدينة الحديثة، يصبح الجسد غريبا ومعزولا.
الحواس تتعرض لقصف مستمر من الإعلانات والأضواء والضجيج، مما يؤدي إلى نوع من التبلد الحسي.
البطل هنا يحاول استعادة علاقته بجسده وحواسه في مواجهة عالم لا شخصي يسعى لمسحه. تصبح الغرفة، هذا الحيز الضيق، هي مختبره الحسي الذي يحاول فيه أن يلمس الأشياء من جديد، أن يتذوق الطعام ببطء، أن يستمع إلى صمت الجدران، في محاولة يائسة لإعادة الاتصال بذاته المفقودة عبر بوابة الحواس.
الحواس كأدوات معرفية وفلسفية
إن احتفاء القمحاوي بالحواس يتجاوز البعد الجمالي والأسلوبي ليصل إلى عمق فلسفي ومعرفي. فهو يطرح سؤالًا جوهريا: كيف نعرف العالم؟ هل نعرفه عبر القوالب الفكرية الجاهزة أم عبر الانغماس المباشر فيه؟ باختياره للحواس كأدوات للمعرفة، فإنه ينحاز إلى التجربة الفردية، الذاتية، الملموسة، ضد التعميمات الكبرى والأفكار المطلقة.
حاسة البصر (العين التي تتأمل لا التي تحدّق): البصر عند القمحاوي ليس مجرد التقاط للصور. إنه تأمل عميق للتفاصيل التي يكشف الإمعان فيها عن حقيقة أعمق. شخصياته لا ترى المشهد، بل تقرأه بعيونها. الألوان، الظلال، حركة الأغصان، تجاعيد الوجوه، كلها علامات ورموز في نص العالم المفتوح. في سفره، هو لا يبحث عن المشاهد العامة، بل عن تفاصيل البشر، يذهب إلى مكان ليلي في الصباح ليرى تفاصيل تدهشه.
حاسة السمع (شعرية الصمت والضجيج): السمع ليس استقبالا للأصوات فحسب، بل هو فن الإصغاء إلى ما بين الكلمات، إلى الصمت الذي قد يكون أبلغ من أي كلام. هو يميز بين ضجيج المدينة الذي يشتت الإنسان، وبين أصوات الطبيعة التي تعيد إليه انسجامه. الحوارات في نصوصه لا تكتسب قيمتها مما قيل فقط، بل من نبرة الصوت، من لحظات التردد، من الأنفاس المسموعة.
حاسة الشم (بوابة الذاكرة اللاواعية): ربما تكون حاسة الشم هي الأكثر "قمحاوية" بامتياز. هي الحاسة الأكثر بدائية والأكثر ارتباطا بالذاكرة العميقة. رائحة واحدة كفيلة بفتح أبواب من الماضي كانت موصدة بإحكام. رائحة امرأة، رائحة كتاب قديم، رائحة مدينة غريبة.. كلها مفاتيح سحرية تنقل الشخصيات والقارئ معهم عبر الزمان والمكان، وتكشف عن طبقات خفية من اللاوعي.
حاستا التذوق واللمس (جسور التواصل الحميم): التذوق واللمس هما حاستا القرب والاتصال المباشر. عبرهما يتم اختبار العالم بلا وسائط. طعم القهوة حين يتذوقه في بيته يضبط إيقاعه في الحياة. وملمس يد الحبيب هو لغة تتجاوز كل الكلمات. وفي كتابه "الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر"، يقيم القمحاوي مقارنات عميقة بين فن الطبخ وفن الكتابة، فكلاهما يعتمد على المكونات، والنكهة، والحدس، ولحظة النضج المناسبة. كلاهما فن يخترق أجسادنا وأرواحنا ويحتاج إلى نزاهة وروح.
الشم والتذوق عند القمحاوي، تستخدم كأدوات لاستدعاء الماضي، يضعنا في قلب ما يعرف بـ "اللحظة البروستية". ففي رواية مارسيل بروست "البحث عن الزمن المفقود"، لم تكن الذاكرة الإرادية هي التي أعادت للراوي ماضيه كاملا، بل كانت نكهة قطعة "مادلين" مغموسة في الشاي هي التي فجرت لديه سيلا من الذكريات اللاإرادية بكل تفاصيلها الحسية الحية. هذا بالضبط ما يؤمن به القمحاوي؛ أن الحواس أصدق من العقل في استعادة الزمن، لأنها لا تنتقي ولا تزيف، بل تعيد التجربة بكامل زخمها الحسي والشعوري. وهكذا، فإن ما يقدمه ليس مجرد وصف للعالم، بل هو كشف له، عبر الأدوات الوحيدة القادرة على اختراق قشرة الزمن والوصول إلى جوهر الوجود الإنساني المنسي: حواسنا.
إن مشروع عزت القمحاوي السردي هو دعوة جريئة وصادقة لاستعادة إنسانيتنا المسروقة. في زمن السرعة والتسطيح، يدعونا أدبه إلى التمهل، إلى التأمل، إلى استخدام حواسنا التي أهملناها كبوصلة للعودة إلى ذواتنا وإلى العالم الحقيقي. إنه يخبرنا أن المعرفة الحقة ليست في تكديس المعلومات، بل في غنى التجربة، وأن الجمال ليس فكرة مجردة، بل هو إحساس حي يدركه الجسد المتيقظ. الحفاوة بالحواس بالنسبة له هي "ميل جمالي وفكري في الوقت ذاته، تنبه الإنسان إلى أهمية حياته، وأن وجوده في هذه الحياة لحظة يجب أن تغتنم".
قراءة عزت القمحاوي ليست مجرد رحلة مع شخصيات وأحداث، بل هي تمرين روحي وجمالي لإعادة تأهيل حواسنا، لنتعلم من جديد كيف نرى، ونسمع، ونشم، ونتذوق، ونلمس. إنه أدب لا يُقرأ بالعقل وحده، بل يُعاش بكل الجسد، كما يتجلى في كتابه المميز "الأيك في المباهج والأحزان" الذي يعد تجربة فريدة في تأمل الحواس والاحتفاء بها. وبعد الانتهاء من إحدى رواياته، يجد القارئ نفسه أكثر حضورا في العالم، وأكثر انتباها لتلك التفاصيل الحسية الصغيرة التي تصنع بهجة الحياة ومعناها العميق. وبهذا المعنى، فإن كتابة القمحاوي لا تغير فقط فهمنا للأدب، بل تغير الطريقة التي نعيش بها حياتنا اليومية. إنه، بحق، أدب من أجل الحياة.