حكم استخدام المقامات في تلاوة القرآن.. تحسين الصوت جائز والجمع مع المعازف محرم
حكم استخدام المقامات في تلاوة القرآن.. تحسين الصوت جائز والجمع مع المعازف محرم
كتب: أحمد البهنساوي وعبدالعزيز سلامة
علق الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، في الحلقة السادسة من برنامج دولة التلاوة، على تلاوة المتسابق يوسف عبدالعزيز عبدالسلام، مؤكّدًا له أنَّ المقامات الصوتية تمكّن القارئ من التعبير عن مضمون الآيات بدقة، فـ«المقام الذي يشير إلى الفرح يُبرز نعيم الجنة، بينما تنقل مقامات أخرى الشجن أو الجلال»، مؤكدًا أن المقامات «خادم لجلال المعنى» وليست غاية في ذاتها.
وأضاف وزير الأوقاف أنَّ المقامات ليست حكرًا على الموسيقى، بل تُستخدم في فنون الخطابة والإلقاء، وأنها كانت عبر التاريخ أحد أسرار نجاح القراء المصريين الذين رسخوا مكانة مصر العالمية في التلاوة.
ما هي المقامات الصوتية؟
تُعد المقامات مجموعة من الأنماط النغمية التي يعتمد عليها القراء لتجميل الصوت وإبراز المعنى، دون أن تكون جزءًا من النص القرآني، ومن أشهرها:
-
الرست: يبعث على الوقار والعظمة.
-
البيات: واسع الانتشار ويعطي إحساسًا بالخضوع والتأمل.
-
الحجاز: يحمل نغمة حزينة مؤثرة.
-
النهاوند: يوحي بالشجن والرقة.
-
السيكا: يمنح شعورًا بالسعادة والسكينة.
-
الصبا: مقام حزين يدعو للتفكر.
-
العجم: يعبّر عن الفرح والانشراح.
-
الكرد: يمتاز بطابعه الشرقي المميز.
ويؤكد العلماء أنَّه لا حرج في قراءة القرآن بهذه المقامات، شرط الالتزام بأحكام التجويد وعدم تحويل التلاوة إلى طرب أو لهو.
ما حكم استخدام المقامات في القرآن الكريم؟
شهد موضوع استخدام المقامات في تلاوة القرآن الكريم خلافا فقهيا بين عدد من العلماء، ما بين التحريم والإباحة والاستحسان، لكن الرابط المشترك كان ضرورة عدم الإخلال بأحكام التلاوة، فإن أخلَّت حرمت القراءة بها.
وقالت دار الإفتاء المصرية عن استحباب تحسين الصوت عند تلاوة القرآن الكريم، أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي لله عنه، ورواه أبو داود بسند صحيح من طريق ابن أبي مليكة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبي لبابة رضي الله عنه، وزاد فيه: قال أحد رواة الحديث: "فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيتَ إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يُحَسِّنُهُ ما استطاع".
وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي عن البراء بن عازب رضي الله عنه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. زاد الدارمي والحاكم وغيرهما: «فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا».
وقد بلغ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك غايةَ الكمال؛ فقد روى الشيخان عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمعتُ أحسن صوتًا ولا قراءة منه».
وروى الترمذي في «جامعه» من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «ما بعث الله نبيًّا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا».
وكان يقول لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «يَا أَبَا مُوسَى، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» متفق عليه، وزاد أبو يعلى في روايته في "مسنده": أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى االلهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ هُوَ وَعَائِشَةَ مَرَّا بِأَبِي مُوسَى وَهُوَ يَقْرَأُ فِي بَيْتِهِ، فَقَامَا يَسْمَعَانِ لِقِرَاءَتِهِ، ثُمَّ أَنَّهُمَا مَضَيَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ لَقِيَ أَبَا مُوسَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا أَبَا مُوسَى، مَرَرْتُ بِكَ الْبَارِحَةَ وَمَعِي عَائِشَةُ وَأَنْتَ تَقْرَأُ فِي بَيْتِكَ فَقُمْنَا وَاسْتَمَعْنَا». فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَمَا إِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ عَلِمْتُ لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأبي موسى رضي الله عنه: ذَكِّرْنا ربَّنا، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن، وقال مرة: «من اسْتَطَاعَ أَن يُغني بِالْقُرْآنِ غناء أبي مُوسَى فَلْيفْعَل" رواه الطبري كما في "عمدة القاري" (20/ 41، ط. إحياء التراث العربي، بيروت) للعيني.
والذي يتحصل من الأدلة -كما يقول الحافظ في الفتح- أنَّ حُسن الصوت بالقرآن مطلوب، ومن جملة تحسينه أن يراعى فيه قوانين النغم؛ فإن الصوت الحسَن يزداد حُسنًا بذلك، وإن خرج عنها أثَّر ذلك في حُسْـنه، وغير الحَسَن ربما انجبر بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبَر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يفِ تحسين الصوت بقُبح الأداء اهـ.
ولقد وضع المسلمون أسماء لتلك النسب التأليفية كما وضعوا تمامًا أسماء لبحور الشعر العربي، وذلك بالاستقراء ونحت المصطلحات، فسموا: البياتي والنهاوند والحُجاز والصبا إلى غير ذلك، كما سموا الشعر: الطويل والمديد والبسيط إلى غير ذلك.
حكم الموسيقى والمعازف
أما المعازف والضرب بالآلات فجمهور الفقهاء على أنه منهي عنه؛ واستدلوا على ذلك بقوله تعـالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: 6]. وبقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: 61] على مذهب من فسره بالغناء. وبما روي عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الأَشْعَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ أَوْ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ وَاللهِ مَا كَذَبَنِي، سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» أخرجه البخاري في الصحيح.
حكم الجمع بين المعازف وتلاوة القرآن الكريم
أما الجمع بين المعازف وبين تلاوة القرآن فهو محرم شرعًا بإجماع الأمة، ومعلوم تحريمه بضرورة الدين، بالإضافة إلى اشتماله إلى إنقاص شأن القرآن في صدور الناس، والحط به إلى مستوى الكلام الفاسد السائر بين العباد، وهذا حرام، وفعله كبيرة، واستحلاله كفر، ويجب سد الذريعة حتى لا يُتوصَّل إليه ولو من غير المسلمين، وسد الذريعة يكون بكل وسيلة، ومنها عدم كتابة الرصد السابق ذكره في صورة تُهيِّئه للاستعمال المحرم كما ذكرنا.