حلم علماء مصر الذي حققه السيسي

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

لطالما مثَّل الحلم النووى المصرى هاجساً وطنياً راود أجيالاً متعاقبة من العلماء والمخططين، ليس كمشروع للطاقة فقط، بل بوابة لدخول مصر عصر التكنولوجيا المتقدمة، وضماناً لأمنها المتعلق بهذا القطاع الحيوى، واستقلال قرارها.

وعلى الرغم من صدور القرار الجمهورى بإنشاء أول محطة نووية مصرية فى منطقة الضبعة عام 1983، فإن هذا الحلم لم يراوح مكانه لعقود، محاصَراً بتقلبات السياسة ومؤامرات المصالح، إلى أن توافرت الإرادة السياسية، بتولى الرئيس عبدالفتاح السيسى الحكم، ليتحول هذا الحلم إلى حقيقة ملموسة على أرض الواقع، تحقق أمنية علماء مصر الذين كافحوا لإنقاذه من براثن الإهمال والتفريط.

فى سبتمبر 2006، انطلقت صيحة عاجلة من قلب هيئة الطاقة الذرية المصرية، ووجّه عشرات من أبرز علماء مصر، فى مجالات الهندسة النووية والطاقة الذرية، رسالة عاجلة إلى الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، كانت صرخة إنذار ضد مؤامرة حقيقية تهدد بوأد الحلم النووى للأبد.

وكانت جرائد المعارضة، فى ذلك الوقت، قد التقطت الخيط ونشرت تفاصيل هذه القضية الوطنية المصيرية.

كشفت الرسالة عن قرار خطير بتجميد مشروع الضبعة النووى، الذى أنفقت عليه الدولة مئات الملايين من الدولارات، فى الدراسات والاستعدادات، لصالح تحويل المنطقة إلى مجمع سكنى واستثمارى ضخم لإحدى الشركات الدولية.

وأشار العلماء، فى رسالتهم، إلى أن مكتب هذه الشركة فى مصر كان يديره ملياردير معروف بعلاقاته الوثيقة بالإدارة الأمريكية، وقربه الشديد من بعض رموز النظام آنذاك.

ووصف العلماء هذا القرار بأنه استجابة لمطالب «وحوش الرأسمالية» التى تهدف لتحقيق أرباح سريعة على حساب مستقبل البلاد.

لم يكن اختيار موقع الضبعة للمحطة النووية وليد الصدفة، لكنه جاء نتيجة دراسات مستفيضة استمرت لسنوات، وأوضحت هيئة الطاقة الذرية، فى تقاريرها آنذاك، أن موقع الضبعة يتميز بجميع الشروط الدولية لبناء محطة نووية آمنة.

فقرب الموقع المختار من البحر المتوسط يسهّل استخدام مياهه فى عمليات تبريد المفاعلات، كما أن خصائص التربة والمياه الجوفية فى المنطقة توفر أساساً جيولوجياً آمناً، وهو ما أكدته الفحوصات التى أجرتها إحدى الشركات الفرنسية المتخصصة بالتعاون مع معاهد البحوث المصرية.

والأمر الأكثر خطورة، الذى كشفته رسالة العلماء، كان يتعلق بالثروة المعدنية النادرة التى تختزنها الأرض هناك، فمنطقة سيدى عبدالرحمن، التى كان من المقرر إقامة المشروع السكنى عليها، تحتوى على المخزون الرئيسى لمصر من خام اليورانيوم النادر.

وببيع هذه الأرض لصالح أحد المستثمرين لبناء شاليهات، فإن ذلك يعنى حرمان الأجيال القادمة ليس فقط من مشروع الطاقة النووية، بل ومن المادة الخام الأساسية اللازمة لأى تكنولوجيا نووية مستقبلية.

ووصف أساتذة الهندسة النووية هذه الخطوة بأنها «مؤامرة خارجية متعددة الأبعاد على مشروع مصر النووى»، متهمين أطرافاً - غير مسماة - بالعمل لصالح جهات خارجية تسعى لإبقاء مصر متخلفة فى هذا المجال الحيوى.

واجه العلماء آنذاك جداراً عازلاً من التجاهل والبيروقراطية، ما اضطرهم لإرسال رسالتهم العاجلة للرئيس مبارك عبر الجرائد كمنبر أخير.

وأشاروا فى رسالتهم (بمزيج من الألم والحسرة) إلى التقدم النووى الكبير لدول مثل الهند التى تمتلك أكثر من 10 محطات نووية، والصين التى تمتلك العشرات، فضلاً عن العديد من الدول النامية الأخرى، بينما ظلت مصر، رغم سبق محاولاتها، محرومة من هذه التكنولوجيا بسبب قرارات خاطئة ومصالح ضيقة.

مع تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى زمام الأمور، تغيرت المعادلة تماماً. فلم يعد الأمن القومى والتنمية المستدامة مجرد شعارات، وتحولت إلى سياسات فعلية على الأرض. وكان مشروع الضبعة النووى فى صلب هذه الرؤية.

وبإرادة سياسية حازمة، أعاد الرئيس السيسى إحياء المشروع، ووضعته الدولة على رأس أولوياتها الاستراتيجية.

ولم يعد مشروع الضبعة مجرد حلم فى رسالة عاجلة، لكنه أصبح أكبر مشروع إنشائى فى مصر، يشهد العالم أجمع على تقدمه السريع والمنظم.

وبالتعاون مع الصديق الروسى، الذى قبل تمويل المشروع لصالح دولة خارجة من حالة الفوضى عام 2011، كما أشار الرئيس خلال حديثه قبل أيام، مع الطلبة المتقدمين للالتحاق بكليات الأكاديمية العسكرية، تم وضع حجر الأساس لأول مفاعل نووى مصرى سلمى، لتبدأ مصر رحلتها الفعلية نحو عصر الطاقة النووية، متخطية عقوداً من التأخير والتردد.

الفضل كل الفضل فى هذا التحول الجذرى يعود إلى القيادة السياسية الواعية التى استمعت لصوت العلم والعلماء، وأدركت أن مستقبل الأمم لا يمكن مقايضته بشاليهات، وإنما بمفاعلات تمد الوطن بالطاقة، والعلماء بالمعرفة، والأجيال القادمة بالأمل.

مشروع «الضبعة» اليوم ليس مجرد محطة لتوليد الكهرباء، لكنه انتصار لحلم علماء مصر، وإثبات لإرادة شعب، وتحقيق لوعد قائد.

مسيرة «الضبعة»، بكل ما شهدته من عثرات، أصبحت الآن هى الشاهد الأبرز على أن مصر، تحت قيادة «السيسى»، قد استعادت إرادتها، وشرعت فى بناء مستقبلها بإرادة حرة، وشكراً للعلماء على تمسكهم بالحلم، وشكراً للرئيس الذى حققه.