اتجهت بريطانيا نحو تشديدٍ غير مسبوق فى قوانين الهجرة واللجوء، لكن التعديلات الأخيرة التى أعلنتها وزيرة الداخلية الجديدة «شبانة محمود» دفعت هذا التشديد إلى مستوى يهدد جوهر القيم الإنسانية، فبدل أن تبقى البلاد ملاذاً آمناً للفارين من الحرب والدمار، تتحول القوانين تدريجياً إلى منظومة ردع قاسية تُعامل اللاجئ كعبء محتمل لا كإنسان له حق فى النجاة، التعديلات الأخيرة تضع شروطاً أصعب للحصول على الإقامة الدائمة، إذ لم يعد يكفى أن يعيش الشخص خمس سنوات فى بريطانيا ليشعر بالأمان القانونى، القواعد الجديدة تفرض فترة قد تمتد إلى عشر سنوات للمهاجرين، بل تصل إلى عشرين عاماً للاجئين، مع مراجعات دورية قد تنتهى بسحب اللجوء إذا اعتُبر بلدهم «آمناً»، حتى لو كانت العودة تعنى الفقر أو الاضطهاد أو الموت.
كذلك جرى تقليص الحق فى لم الشمل العائلى، وهو أحد أهم عناصر الاستقرار النفسى والاجتماعى للاجئين. أما نظام الترحيل إلى دولة ثالثة مثل رواندا فهو مقدمة لتحويل بريطانيا من دولة تحمى اللاجئين إلى دولة ترحّب بهم من بعيد لكنها ترفض وجودهم على أراضيها. هذه السياسات لا تعكس فقط تشدداً إدارياً، بل تحوّلاً جذرياً فى فلسفة التعامل مع البشر، من التعاطف إلى الاحتراز ومن حماية الضعفاء إلى غربلة من «يستحق البقاء» وفق معايير اقتصادية بحتة.
الحديث عن «ضبط الحدود» و«تقليل أعداد اللاجئين» يتجاهل تماماً سؤالاً بديهياً: لماذا يهرب الناس أصلاً؟ كما قالت الصحفية الأمريكية «آنا كارسبيان»: «هم لا يريدون بلادكم الباردة ولكانوا فضلوا البقاء فى أوطانهم آمنين».
بريطانيا تاريخياً وسياسياً كانت طرفاً فى معظم التوترات التى دفعت الملايين إلى الهجرة: من حرب العراق 2003 وما نتج عنها، إلى دعم بعض السياسات التى ساهمت فى إطالة نزاعات سوريا، إلى مواقف دعم الاحتلال فى التعامل مع القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى التآمر ضد إيران، إذا كانت بريطانيا لا تريد لاجئين، فالأجدر بها أن تراجع دورها فى المناطق التى ينتج عنها اللجوء.
هذه السياسات لم تُقابل بالنقد من الخارج فقط، بل واجهت اعتراضاً واسعاً داخل بريطانيا نفسها من خبراء الاقتصاد، فالاقتصاد البريطانى يعانى بالفعل من نقص حاد فى العمالة خاصة فى قطاعات: الصحة (NHS) والرعاية الاجتماعية والزراعة والبناء والضيافة والنقل، ومع أن المهاجرين واللاجئين شكّلوا تاريخياً جزءاً مهماً من القوة العاملة فإن هذه القوانين تجعل بريطانيا أقل جذباً للعمالة فى وقت هى فى أمسّ الحاجة إليها.
حتى المؤسسات البريطانية نفسها حذّرت من أن القرارات الجديدة سوف تخنق سوق العمل وتؤثر على قدرة الشركات على التوظيف والاستمرار، كما أن الاقتصاد البريطانى يفقد طاقاته الشابة، فاللاجئون والمهاجرون خاصة من الشرق الأوسط غالباً من الفئة الشابة القادرة على العمل والذين يسهمون فى سدّ فجوات حقيقية فى الاقتصاد، لكن بدل الاستفادة منهم تدفع القوانين الجديدة الكثيرين إلى دول أخرى أكثر ترحيباً مثل كندا وألمانيا، وقد أوضحت دراسات اقتصادية داخل بريطانيا أن دمج اللاجئ وتعليمه وتشغيله أقل تكلفة بكثير من احتجازه أو ترحيله.
المجتمع البريطانى فى انتظار نص قانونى نهائى قد يغير واجهة لندن تماماً، التى تميزت دوماً بالتنوع الثقافى والديموغرافى، القوانين الجديدة تتجاهل جوهر اللجوء وهو حق إنسانى وليس امتيازاً اقتصادياً، فهو ليس هجرة «اختيارية» بل محاولة للنجاة ومن غير الأخلاقى أن تُعامل بريطانيا الشخص الهارب من القصف والاضطهاد كمجرد «خطر ديموغرافى» أو «عبء مالى»، فهل ستبقى دولة تحترم القِيَم التى تزعم تبنيها ورعايتها للعدالة والحماية وحق الإنسان فى الحياة؟ أم ستتحول إلى دولة تُغلق أبوابها فى وجه من ساهمت سياساتها فى تهجيرهم؟