«إيديكس 2025» إعلان وجود مصر أمام العالم

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

شكلت ثورة 30 يونيو 2013 منعطفاً حاسماً فى تطور الصناعات الحربية المصرية، وأكدت أن الاعتماد على مصدر خارجى وحيد للتسليح -كما كان الحال قبل الثورة- يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومى، ويقيد حرية الحركة فى السياسة الخارجية.
أطلقت «30 يونيو» الرسالة واضحة: لا سيادة كاملة دون استقلال فى القرار الدفاعى، ومن هنا، انطلقت استراتيجية طموحة قائمة على دعامتين رئيسيتين، الأولى تنويع مصادر التسليح، والثانية تسريع وتيرة نقل وتوطين التكنولوجيا الدفاعية.
وتحولت هذه الاستراتيجية من نظرية إلى واقع ملموس، تجسده اليوم الشراكات الاستراتيجية مع عدة دول، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وكوريا الجنوبية.
هذه الشراكات لم تعد قاصرة على عمليات الشراء المباشر، لكنها تطورت إلى تعاون مشترك فى الإنتاج والتجميع والتطوير، كما يظهر (على سبيل المثال) فى مشروع تجميع دبابة (M1A1) بمصنع 200 الحربى، حيث تصل نسبة المكون المحلى إلى 95%، ومشروع المدفع ذاتى الحركة (K9 A1 EG) بالشراكة مع كوريا الجنوبية.
ومع افتتاح النسخة الرابعة من معرض الصناعات الدفاعية والعسكرية «إيديكس 2025» فى القاهرة، تحت رعاية الرئيس عبدالفتاح السيسى، تقدم مصر للعالم رسالة واضحة: لقد تحولت من دولة مستوردة للأسلحة إلى قوة إقليمية فاعلة فى مجال الصناعات الدفاعية.
ويأتى معرض «إيديكس 2025» كتتويج لهذا المسار، وكإعلان صريح عن نضج الصناعة الدفاعية المصرية، فالمعرض، الذى يضم أجنحة من 25 دولة ويجذب صناع القرار العسكرى من أكثر من 100 دولة، لم يعد مجرد منصة لعرض منتجات الآخرين، وتحول إلى ساحة لعرض القدرات التكنولوجية والتصنيعية المصرية.
وقالها وزير الدفاع والإنتاج الحربى، الفريق أول محمد زكى: «مصر تقدم اليوم صورة من صور قوتها الحديثة... مما يؤكد حرصها على مواكبة التطورات العالمية فى مجال التسليح وتعزيز قدرتها العسكرية بما يدعم أمنها القومى».
أبرز ما يكشفه الجناح المصرى فى المعرض هذه الدورة، هو الانتقال من مرحلة التجميع إلى مرحلة التصميم والإنتاج الكامل محلياً.
فمنظومات مثل راجمة الصواريخ «ردع 300» - الموجهة المجنزرة بمدى 300 كم، و«سينا 200» أول مدرعة مجنزرة تم تصميمها وإنتاجها بالكامل فى مصر، وغيرها، ليست مجرد منتجات عسكرية، لكنها شواهد على وجود قاعدة هندسية وصناعية ثقيلة، قادرة على الابتكار وتلبية الاحتياجات الميدانية للجيش المصرى.
ولفهم هذا التطور الهائل فى إطار العقيدة العسكرية المصرية الواضحة، علينا الانتباه للتأكيدات المستمرة للقادة المصريين فى كل مناسبة، بأن عقيدة الجيش دفاعية بطبيعتها، تهدف إلى الردع وحماية الأمن القومى.
فمصر، كدولة ذات سيادة، تملك الحق المشروع فى بناء قوات مسلحة قادرة على حماية حدودها ومصالحها الحيوية فى منطقة تشهد اضطرابات وتحديات أمنية متزايدة، ويأتى تحديث وتسليح الجيش المصرى فى إطار الحفاظ على أمن واستقرار البلاد، وليس لتهديد أى طرف آخر.
هذا المنظور الدفاعى هو ما يفسر التركيز على صناعات مثل المدرعات المقاومة للألغام والعبوات الناسفة، كـ«سينا 200»، و«تمساح»، ومنظومات مكافحة الطائرات المسيرة مثل نظام (EDE-100A) الكهرومغناطيسى، والطائرات المسيرة للاستطلاع والمراقبة كـ«30 يونيو» و«6 أكتوبر».
كل هذه الأنظمة تخدم بشكل مباشر استراتيجية تأمين الحدود الطويلة ومكافحة التهديدات غير التقليدية، مما يجعل تعاظم القوة العسكرية، فى الرؤية المصرية، عاملاً لتحقيق الاستقرار الإقليمى وليس العكس.
رغم كل هذه الإنجازات الكبيرة، تدرك مصر أن الطريق ما زال طويلاً، والصناعة العسكرية تعتمد فى بعض المجالات المتقدمة، خاصة المكونات الدقيقة والأنظمة الإلكترونية المعقدة، على التعاون المشترك ونقل التكنولوجيا.
لكن المؤسسات الداعمة مثل وزارة الإنتاج الحربى والهيئة العربية للتصنيع تعمل ضمن خطة طموحة لتذليل هذه العقبات، كما يتضح من إنتاج الصلب المدرع محلياً، مما يجعل مصر واحدة من ست دول فقط قادرة على هذا الإنتاج - وتطوير أنظمة متكاملة مثل القارب المسير «هيدرا B5».
«إيديكس 2025» هذا العام يتجاوز كونه معرضاً تجارياً، إنه إعلان وجود، ويمثل قصة تحول مصر من كيان يتلقى شروط الأمن من الخارج، إلى دولة تضع أدوات أمنها بيدها، وفق رؤيتها ومصالحها. وهو دليل عملى على أن تحرير الإرادة الوطنية بعد 30 يونيو لم يقتصر على المجال السياسى، بل امتد ليشمل أهم ركائز السيادة: صناعة القرار الدفاعى. مصر تقدم اليوم أمام العالم نموذجاً لدولة تستثمر فى قوتها لتضمن سلامتها، وتطور صناعتها لتحافظ على استقلالها، مؤكدة أن امتلاك القوة، فى منطقتنا المضطربة، لم يعد رفاهية، بل ضرورة حتمية لاستمرار بقاء الدولة وضمان مستقبل شعبها.