كذب «الإخوان» بين عباءة الإرهاب وجلباب الدعوة (1)
ما إن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصنيف فروع جماعة «الإخوان» في مصر والأردن ولبنان كجماعات إرهابية، حتى هبت رياح عاصفة من «التقية» المنظمة العابرة للقارات، تحمل روائح الكذب الإخواني المعتاد.
لم يكن رد الجماعة الإرهابية على «ترامب» بيانات الاستنكار، أو اتهام القرار بمجافاة الحقيقة، فهذه لغة المراوغين المبتدئين.
أطلقت الجماعة يد بعض قادتها، في «لندن» و«إسطنبول» لإجراء عملية جراحية دقيقة لفصل «السياسى» عن «الدعوى»، في محاولة تبدو يائسة -وهى كذلك- لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المشروع الذى يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الهزائم المتتالية والتصنيفات الدولية.
إنه مشهد مألوف لتلامذة مؤسس الجماعة ومرشدها الأول حسن البنا، فعندما تضيق بك السبل، البس جلباب الدعوة، واختفِ وراء خطاب الإصلاح، حتى تمر العاصفة.
من لندن، خرج مراد على، المتحدث السابق باسم حزب الحرية والعدالة (المنحل)، بالوصفة السحرية: «اعتزال الجماعة للعمل السياسى المباشر» و«التفرغ للعمل الدعوى» و«بناء الإنسان». كلمات رنانة تصلح لإعادة هيكلة مركز إغاثة إنسانية، لا لوصف جماعة خاضت معارك السلطة بأنيابها، ووصلت إلى سدة الحكم في أكثر من بلد.
يريدنا هذا الإخوانى أن نصدق أن جماعته، بعد قرن من الزمان قضته في العمل السياسي المباشر، وكونت تنظيمها السري، وشكلت التنظيمات المسلحة (النظام الخاص)، وقضته كذلك في المناورات البرلمانية، وعقد التحالفات تحت الطاولة، وكثيراً ما أطاحت بمن خالفها، تريد فجأة أن تتحول إلى مركز لتحفيظ القرآن وتدريس الفقه.
وزعم مراد على أن هذا التحول ليس إلا امتداداً طبيعياً لمنهج الجماعة الأول، متناسياً -عن عمد- أن المؤسس الأول نفسه، حسن البنا، هو من أرسى عقيدة الكذب والمراوغة كأسلوب حياة.
البنا، وفقاً لشهادة نائبه أحمد السكري الذي وصفه بـ«الشيخ الكذاب»، لم يخبر «إخوانه» بأنه سيحول الجماعة الدعوية إلى كيان سياسي وعسكري إلا بعد عشر سنوات من التأسيس (في المؤتمر الخامس عام 1938)، حيث قرر دخول معترك السياسة وإنشاء الجناح العسكري (النظام الخاص) فجأة وبمنتهى الدهاء، ودون استطلاع رأي أتباعه، ضمهم لهذا الجناح، ومعهم المنتسبون الذين ظنوا أنهم ينضمون إلى مجرد حلقة للوعظ والإرشاد.
لكن لماذا التقية الآن بالذات؟ لأن التصنيف الأمريكى ضربة قاصمة في الصميم، فهو ليس قراراً إعلامياً عابراً، والجماعة الإرهابية تعرف ما سيترتب عليه، من تجميد للأموال، ومحاصرة للمانحين وتقييد لتحركاتها.
وبما أن «السياسة هي فن الممكن»، و«الإخوان» اعتادوا الكمون عند الضرورة، فإن الخيار الوحيد أمامهم في اللحظة الراهنة شديدة الوطأة، هو الانسحاب التكتيكي.
وهذا لا يمكن اعتباره «نضجاً فكرياً» أو «مراجعة جذرية» كما يزعم مراد علي، لكنه «خطة بديلة»، أو انسحاب مؤقت إلى الكهف، كالثعلب الجريح الذي يلعق جراحه، وينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض مجدداً.
وللتذكرة فقط، شهد عام 2017 دعوات مماثلة من فصائل إخوانية، في تونس والمغرب وفرنسا لفصل الدعوى عن السياسة، كما سبق لجبهة الإخوان في لندن أن أعلنت انسحابها من الصراع على السلطة في مصر، وفي ليبيا تحولت «الإرهابية» إلى «جماعة دعوية» تحت اسم «الإحياء والتجديد»، بعد الانشقاقات التي ضربتها، والهزائم التي تلقتها.
إنه مسلسل واحد مكتوب بحبر التقية، وإن تغيرت فيه الديكورات مع كل مشهد من مشاهد الإخفاق.
وللحديث بقية.