علاء عابد يكتب: الاتفاق وغزة
«اتفاق غزة ليس ورقة تفاوض.. بل التزام دولى يجب احترامه، وعلى الجميع أن يدرك أن مصر لن تسمح بانهيار الاتفاق أو الالتفاف عليه».
بهذه العبارة الحاسمة وضع الرئيس القائد عبدالفتاح السيسي الإطار الحقيقي لطبيعة اللحظة الراهنة بأن غزة أمام مفترق طرق، وأن مصر حسمت موقفها منذ اللحظة الأولى لحرب غزة (7 أكتوبر 2023) بأنه لا تهجير.. لا تصفية للقضية الفلسطينية.. ولا قبول بمخططات تغيير الواقع الديموغرافي لقطاع غزة.
لم يقتصر «اتفاق غزة»، الذى يُعرف بـ«خطة غزة للسلام»، على وقف القتال فحسب، بل شمل أيضاً آليات لإعادة الإعمار الشاملة للقطاع الذى دُمر كلّياً، ويمثل محطة مفصلية في منع انفجار جديد، فـ«التهدئة» سقف سياسى وإنسانى يجب تثبيته، وهنا يقول الرئيس: «أمن غزة جزء أصيل من الأمن القومى المصرى، ومن يظن أنه قادر على فرض واقع جديد على الحدود فهو واهم».
وبهذا الموقف تُغلق مصر الباب أمام أى محاولات لاستغلال الأزمة لفرض ترتيبات أحادية، وتعيد التذكير بأن التهدئة ليست خياراً، بل ضرورة.
وتُعد إعادة إعمار غزة امتداداً للمعركة السياسية، لأن الاحتلال الإسرائيلى يحاول تحويلها إلى ورقة ابتزاز، ولذلك يقول الرئيس بوضوح: «لن نسمح بخلق أزمة إنسانية تُستغل لفرض التهجير.. ولن نسمح بإعادة رسم خرائط المنطقة على حساب الشعب الفلسطينى». وهو ما يعكس إدراك مصر أن الإعمار ليس هندسة فقط، بل هوية ووجود ومنع لنكبة جديدة، وفرصة لاستعادة حقوق أكثر من 2.3 مليون فلسطينى، يعانون من الحصار والحروب المتكررة، فوفقاً لتقارير الأمم المتحدة، دُمر أكثر من 70% من المنازل في غزة، وأصبحت الزراعة والصيد غير ممكنين بسبب التلوث والقصف، ومن هنا فالحفاظ على الاتفاق يعنى ضمان تدفق يومى لشاحنات المساعدات، ومنع أى انتهاكات قد تعيد المنطقة إلى دائرة العنف.
لقد خاضت مصر، خلال الأشهر الماضية، مواجهة دبلوماسية ضارية، ونجحت في تثبيت مبدأ غير قابل للمراوغة، «غزة ستبقى لأهلها، ولن تكون مصر بوابة لتمرير مشروع تهجير أو تصفية للقضية الفلسطينية»، كما أكد الرئيس في مختلف المحافل الدولية على أن «مصر الدولة.. مصر الجيش.. مصر الشعب، كلهم على موقف واحد: حماية الفلسطينيين والدفاع عن حقهم في أرضهم وبيوتهم وكرامتهم».
المشهد الآن يظهر بوضوح أن الاحتلال الإسرائيلى يمارس سياسة ممنهجة تقوم على خرق اتفاقات التهدئة وتعطيل دخول المساعدات لتحويل المعاناة إلى ورقة ضغط، والتلاعب في مفاوضات الأسرى.
وهنا تأتى كلمة الرئيس التى تلخص ذلك السلوك الإسرائيلى بصرامة: «ما يجرى في غزة مسئولية دولية.. وعلى الاحتلال أن يعلم أن زمن تجاوز الاتفاقات بلا ثمن قد انتهى».
لقد ارتكبت إسرائيل في غزة جرائم موثقة وصفها خبراء الأمم المتحدة بأنها جرائم حرب واضحة، من استهداف المدنيين والأحياء المكتظة، وقصف المستشفيات ومنع الإمداد الطبي، إلى تدمير البنية التحتية المدنية بشكل واسع، ومنع المساعدات الإنسانية بشكل متعمَّد.
وأظهرت الإحصاءات الميدانية حجم المأساة غير المسبوقة، حيث عشرات الآلاف من الشهداء، نسبة كبيرة منهم أطفال ونساء، ومئات الآلاف من الجرحى بإصابات خطيرة وسط انهيار كامل للمنظومة الصحية، إلى جانب آلاف المفقودين تحت الأنقاض أو مجهولى المصير، ما يكشف أن غزة تواجه كارثة إنسانية تاريخية، تتجاوز حدود الصراع العسكرى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
وحتى لا ننسى فإن الاحتلال الإسرائيلى لم يلتزم يوماً بالقانون الدولى، ولم يُظهر في أى مرحلة من تاريخ الصراع احتراماً لمنظومة القرارات الأممية، فمنذ احتلال فلسطين عام 1948، تجاهل أكثر من 100 قرار صادر عن مجلس الأمن والجمعية العامة، بما في ذلك القرارات التى تدعوه لوقف الاستيطان، وإنهاء الاحتلال، واحترام حقوق الإنسان، فهناك قرارات تاريخية مثل 242 و338 و194 وحتى القرارات المتعلقة بالقدس والاستيطان، ظلَّت جميعها حبراً على ورق أمام إرادة إسرائيلية تقوم على فرض الأمر الواقع بالقوة.
سيظل الدور المصري بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي يؤكد دوماً على أن مصر ليست مجرد وسيط بل ضمانة، وأن القضية الفلسطينية ليست ملفاً سياسياً عابراً، بل جزء من الأمن القومي المصري، وأن السلام في غزة ليس مجرد وقف لحرب الإبادة، بل بناء لمستقبل يحترم حقوق الإنسان، وتحقيق حل الدولتين الذي طال انتظاره.