فاتن حمامة
تكن السينما المصرية فى منتصف خمسينات القرن الماضى صناعة تقوم على المصادفة أو الاندفاع، كما قد توحى النجومية من الخارج. خلف كل اسم لمع، وكل فيلم ترك أثراً، كانت هناك قرارات تُتخذ فى هدوء، ومراهنات محسوبة، واختيارات دقيقة تُصاغ بعيداً عن الأضواء، داخل مكاتب صغيرة أو كواليس مزدحمة، حيث لا مكان للضجيج بقدر ما توجد حاجة ملحّة للثقة والحدس.
وهى تفاصيل رواها لى المنتج الكبير عمى جمال الليثى، الذى كان شاهداً مباشراً على تلك الكواليس، وشارك فى صناعة كثير من محطاتها المفصلية.
وقد حكى لى أنه فى تلك المرحلة كانت فاتن حمامة قد انتقلت من موقع النجمة الواعدة إلى مساحة أكثر تعقيداً وحساسية. القمة التى بلغتها مبكراً تحوّلت إلى اختبار دائم، فالحفاظ على الصدارة كان أصعب من الوصول إليها.
ومع تزايد حضورها وتأثيرها، تعرضت لحملات نقدية تجاوزت أحياناً حدود التقييم الفنى إلى التشكيك والمطاردة المعنوية. لكن ردّها جاء هادئاً، خالياً من الانفعال، قائماً على القناعة بأن العمل الجيد وحده هو الرد الحقيقى.
وفى فيلم «الطريق المسدود»، وهو آخر أفلام الأستاذ جمال الليثى فى الشركة التى كوّنها مع الأستاذ رمسيس نجيب، والذى كتب قصته الأستاذ إحسان عبدالقدوس وأخرجه المخرج صلاح أبوسيف وكانت بطلته فاتن حمامة محاطة بالنجوم أحمد مظهر وشكرى سرحان وزوزو ماضى وتوفيق الدقن، وخلال العمل فى الفيلم أبدت رغبتها للأستاذ جمال الليثى أن تقطن فى شقة على النيل، وعندما جرى تخصيص شقة لها فى عمارة ليبون بالجزيرة، لم يكن القرار إدارياً أو سكنياً فحسب، بل اكتسب دلالة مهنية واضحة، كان اعترافاً ضمنياً بمكانتها، وبأن وجودها لم يعد تفصيلاً عابراً فى صناعة السينما، بل ركيزة أساسية من ركائزها.
وكما حكى لى الأستاذ جمال الليثى أنه عندما تزوج رمسيس نجيب من لبنى عبدالعزيز أصبحت نجمة أفلامه الوحيدة وقطنت فى نفس العمارة التى تسكن بها فاتن حمامة ولكن تحتها بدورين، وكان لفاتن حمامة فيلم غنائى ناجح أمام عبدالحليم حافظ هو «موعد غرام»، واختارت لبنى عبدالعزيز قصة لإحسان عبدالقدوس هى «الوسادة الخالية» ليلعب «حليم» بطولتها أمامها وأخرج الفيلم صلاح أبوسيف.
فى مسار مختلف تماماً، كانت الكوميديا تشق طريقها بثقة عبر موهبة غير تقليدية. إسماعيل يس، القادم من المسرح، لم يعد مجرد ممثل يقدم فواصل إضحاك، بل أصبح مشروع بطولة سينمائية كاملة. المنتج رمسيس نجيب أدرك مبكراً أن هذه الموهبة تحتاج إلى إطار خاص، لا يحدّ من طاقتها ولا يستنزفها. الرهان كان واضحاً: وضع الكوميديا فى موقع القيادة، لا الهامش.
جاء فيلم «إسماعيل يس بوليس حربى» ليؤكد نجاح هذا الرهان. وقد حكى لى الأستاذ جمال الليثى أن السيناريو كُتب خصيصاً لـ«إسماعيل»، والحوار صيغ بما يتلاءم مع إيقاعه الخاص وخفة دمه الطبيعية، دون افتعال أو مبالغة. شخصية «الشاويش عطية» لم تكن مجرد وسيلة للضحك، بل كانت نموذجاً بسيطاً مألوفاً، وجد الجمهور نفسه فيه. النجاح الجماهيرى للفيلم لم يكن مفاجئاً، بل نتيجة قراءة دقيقة لذائقة الشارع المصرى فى تلك الفترة.
توالت الأفلام بعد ذلك، وظهرت مخاوف مشروعة من الوقوع فى فخ التكرار، لكن إدارة التجربة جاءت واعية. جرى الحفاظ على القالب العام، مع إدخال تنويعات تضمن الحيوية والاستمرار. لم يكن إسماعيل يس نجم صدفة، بل حالة فنية جرى التعامل معها بحرص، حتى لا تتحول الكوميديا من قوة جذب إلى عبء استهلاكى.
ومن اللحظات الدالة على تقدير الفن للفن؛ حضور عبدالحليم حافظ إلى كواليس فيلم «إسماعيل يس بوليس سرى»، كما روى لى الأستاذ جمال الليثى، وكان على إسماعيل يس أن يتنكر فى شخصية مطرب يغنى فى ملهى ليلى.. وكان يقف على المسرح يغنى واحدة من أغانى عبدالحليم حافظ المشهورة وهى أغنية «فى يوم من الأيام، كان لى قلب» وطلبوا من الموسيقار كمال الطويل أن يدرب إسماعيل يس على غناء اللحن، ودعوا «عبدالحليم» لكى يسمعه ويشاهده وهو يغنى أغنيته، وفى لقطة من الفيلم يظهر «عبدالحليم» مع أحمد مظهر على إحدى موائد الملهى الليلى يسمع إسماعيل يس يغنى بدلاً منه ويصفق له فى إعجاب، وجاء التصفيق صادقاً وعفوياً، فى لحظة عبّرت عن احترام متبادل بين فنانَين يختلفان فى الأدوات، لكن يجتمعان فى الإخلاص للمهنة.
فى الوقت ذاته، رسّخ نجاح هذين الفيلمين أقدام شركة جمال الليثى للإنتاج السينمائى الوليدة وبدأت تأخذ مكانة على الساحة فى السينما المصرية، النجاح الأول منح الثقة، لكنه فرض مسئولية مضاعفة. لم يعد مقبولاً الاعتماد على صيغة واحدة، بل بات التنويع ضرورة، خصوصاً مع جمهور لم يعد يرضى بالتكرار. من هنا جاءت الرغبة فى خوض تجارب أكثر جرأة على مستوى الموضوع والمعالجة.
وحكى لى الأستاذ جمال الليثى أن فيلم «صراع فى النيل» كان خطوة فارقة فى هذا الاتجاه. فكرة أن تدور أغلب أحداث الفيلم على مركب فى النيل مثّلت تحدياً إنتاجياً وإخراجياً واضحاً، خاصة مع الاعتماد على التصوير الخارجى بعيداً عن الاستوديوهات. المياه، بطبيعتها، تفرض شروطها الصعبة على الحركة والكاميرا، لكن التحدى جرى التعامل معه باعتباره جزءاً من روح الفيلم لا عائقاً أمامه.
المخرج عاطف سالم تعامل مع العمل برؤية مدروسة، سعى من خلالها إلى جعل الكاميرا جزءاً من الصراع، لا مجرد أداة رصد. كما حرص على أن تتخلل الدراما مساحات إنسانية تخفف من ثقل الأحداث دون أن تفرغها من معناها. ومن بين الشخصيات الأكثر حساسية فى الفيلم، جاءت شخصية الجاسوسة التى جسدتها هند رستم، حيث لم يكن الجمال هو الرهان الوحيد، بل القدرة على الجمع بين الإغراء والخطر بقدر محسوب. أداؤها فى المشاهد الصعبة، خصوصاً مشاهد المياه، أضفى على الفيلم صدقاً واضحاً.
وفى الخلفية، كانت سعاد حسنى تقترب من المشهد بهدوء لافت. لم يكن اختلافها قائماً على المظهر وحده، بل على حضور خاص يجمع بين البراءة والذكاء. منذ اللحظات الأولى بدا واضحاً أن السينما المصرية على موعد مع طاقة جديدة.
جاء فيلم «إشاعة حب» ليجمع هذه المسارات المختلفة فى عمل واحد. فيلم يبدو بسيطاً فى ظاهره، لكنه محكم فى بنائه. قدّم الكوميديا بوصفها وسيلة لقراءة الواقع بإنسانية، لا للهروب منه. وقدمت سعاد حسنى شخصية متوازنة، تمزج الخجل بالجرأة دون افتعال، لتؤكد أن نجوميتها لم تكن طارئة.
حقق الفيلم نجاحاً جماهيرياً واسعاً، وأسهم فى تثبيت عدد من الأسماء الصاعدة، مؤكّداً أن السينما قادرة على الجمع بين المتعة والرؤية الذكية. وفى أحد العروض، تداخلت السينما بالحياة اليومية فى مشهد لافت، تزامن مع أجواء كروية حماسية، وكان عادل هيكل حاضراً فى القاعة، متفاعلاً بحيوية تعكس علاقة الجمهور بالسينما بوصفها جزءاً من الفرح الجماعى.
تكشف هذه المرحلة أن السينما المصرية لم تكن مجرد صناعة ترفيهية، بل مرآة لتحولات اجتماعية وثقافية أوسع. النجوم لم يولدوا جاهزين، بل صُنعت مساراتهم عبر صمت طويل، وقرارات دقيقة، وجرأة محسوبة. من شقة فى عمارة ليبون، إلى مركب يسير فى قلب النيل، إلى قاعات امتلأت بالتصفيق، تشكلت حكايات ما زالت قادرة على البقاء، لأنها كُتبت بإخلاص، وبعيداً عن الضجيج.
وللحديث بقية عن حكايات «الليثى» ونجوم وصناع السينما.