كارثة غزة المنسية.. أطنان «ألياف الأسبستوس» القاتلة تنتشر فوق أنقاض الحرب (تحقيق)

كتب: محمد عبد العزيز

كارثة غزة المنسية.. أطنان «ألياف الأسبستوس» القاتلة تنتشر فوق أنقاض الحرب (تحقيق)

كارثة غزة المنسية.. أطنان «ألياف الأسبستوس» القاتلة تنتشر فوق أنقاض الحرب (تحقيق)

في صمت ثقيل بعد هدير الحرب، تظل غزة مغطاة بطبقة رمادية من الغبار، يخفي تحتها ما هو أخطر من الدمار نفسه، ليست الأنقاض وحدها ما يهدد حياة الناس هناك، بل شيء أدق من أن يُرى، وأخطر من أن يشم، في الهواء، وعلى الجدران المهدمة، وعلى الألعاب التي نجا بها الأطفال من تحت الركام، تسبح جزيئات لا تُرى تُعرف باسم «الأسبستوس»، العدو الصامت الذي يقتل ببطء.

لم تكن الأزمة الإنسانية الطاحنة فقط من عصف بأهل القطاع المحاصر، بل أيضًا، هناك أشياء غير مرئية خلفها الهدم والدمار، تسمى ألياف الأسبستوس، وهي مجموعة ألياف معدنية كانت ولا تزال لها استخدامات تجارية، ولكنها يمكن أن تسبب الإصابة بأمراض عديدة منها السرطان، ويمكن أن يصل الأمر إلى الوفاة.

تتبعت «الوطن» عبر مصادر وتقارير هندسية وطبية، حجم الكارثة الخفية التي خلفها انتشار الأسبستوس في القطاع، جمعنا معلومات دقيقة عن كميات الألياف المتناثرة في المناطق المدمرة، وطبيعة المواد التي كانت تستخدم في الأبنية قبل انهيارها، وكيف أدى انهيار آلاف الوحدات السكنية إلى إطلاق أطنان من جزيئات الأسبستوس في الهواء.

كما كشفت «الوطن» عن الطرق التي تسبب بها هذه الألياف أمراضًا قاتلة مثل التليف الرئوي والسرطان، والتاريخ الطويل لهذه المادة منذ بدء استخدامها عالميًا في القرن التاسع عشر، وحتى إعلانها مادة مسرطنة رسميًا في الثمانينيات.

لا يقتصر الخطر على ركام المباني فقط

وتظهر المعلومات أن الخطر لا يقتصر على لحظة سقوط المباني، بل يمتد إلى عمليات رفع الركام، وتجريف التربة، وإعادة البناء، ما يجعل الفلسطينيين عرضة لتهديد مستمر لا يراه أحد ولا يتوقف مع وقف الحرب.

ما حدث في غزة ليس فقط كارثة إنسانية مؤقتة، بل كارثة بيئية وصحية ستستمر لعقود، لأن ملايين الأطنان من الأنقاض تحتوي على أسبستوس مميت، ومع انعدام البنية التحتية والرقابة الصحية، فإن سكان غزة الآن يعيشون في غيمة غير مرئية من ألياف الأسبستوس، التي قد تسبب موجة من السرطانات خلال 10-30 سنة المقبلة.

15 مليون طن من البنية التحتية في غزة ملوثة بالأسبستوس

تقديرات المنظمات الأممية، التي استطاعت الحصول عليها سرًا قبل التشديد الإسرائيلي وفرض حصار على المنظمات الدولية في القطاع المحاصر، تشير إلى أن نحو 15 مليون طن من البنية التحتية دُمرت خلال الحرب، من بينها 800 ألف طن يحتمل أن تكون ملوثة بالأسبستوس.

حصلت الأمم المتحدة وفقًا للأنقاض على كميات الأسبتسوس في غزة، لكن بعد إعاقة إسرائيل عمل المنظمة في غزة، يخشى الخبراء والأمم المتحدة، عدم معرفة التقدير النهائي للكمية المتبقية في أنقاض المبنى، فمنذ أن بدأت الحرب، طُرد موظفو الأمم المتحدة، ولم يسمح جيش الاحتلال لأي صحفي بدخول غزة، إلا خلال الأيام الأخيرة وكان تحت الحراسة طول الوقت، وبالنظر إلى الحطام، قد يكون من المنطقي افتراض ضعف الحمولة المذكورة في تقرير الأمم المتحدة الأصلي (800 ألف طن).

يتحدث البروفيسور روجر ويلي، خبير ومستشار دولي في مجال الأسبستوس والمواد الخطرة وقضايا الصحة والسلامة والبيئ، ويتمتع بخبرة تزيد عن 40 عامًا في هذا المجال، لـ«الوطن»، والذي بدا كمن يفتح ملفًا مهملًا من ملفات الكوارث المنسية.

يقول: «عندما نتحدث عن غزة اليوم، لا نتحدث فقط عن أزمة إنسانية، بل عن كارثة بيئية من مستوى غير مسبوق».

غزة

انهيار آلاف الوحدات السكنية أطلق أطنانًا من الألياف القاتلة

في حديثه، شرح أن جزيئات الأسبستوس لا تتحلل بمرور الوقت، بل تظل في البيئة لعقود، عندما تسحق الجدران التي تحتويه أو تكسر الأنابيب القديمة، تتحرر ألياف دقيقة، أخف من الغبار، تطفو في الهواء لساعات طويلة قبل أن تترسب في التربة أو على الأسطح، ومع أول هبة ريح أو حركة ركام، تعود لتنتشر مجددًا.

قال «روجر» إن الخطر الأكبر هو «عدم شعور الناس بتلك الألياف»، فالأسبستوس لا يسبب سعالًا أو حكة فورية، بل يتسلل إلى الرئتين بهدوء، ويبدأ رحلة صامتة تستمر سنوات قبل أن تظهر أعراض السرطان أو داء الأسبستوس.

من بين أكثر ما يقلق الخبراء اليوم هو غياب القدرة على إدارة هذا النوع من التلوث في مناطق النزاع، فحتى في الدول الصناعية، يتطلب التعامل مع الأسبستوس فرقًا مدربة ومعدات خاصة ومعايير صارمة للتعبئة والنقل والتخلص.

أما في غزة، فالفلسطينيون هناك يزيلون الركام بأيديهم، فيستنشقون آلاف الألياف يوميًا دون دراية، ورغم خطورة المادة، فإن قياس مدى التعرض لها علم دقيق بحد ذاته، وهنا يبدأ الجزء العلمي الذي يسميه البروفيسور بـ«الخطر الحقيقي».

الخطورة والتعرض والخطر الفعلي

وفقًا لـ«معايير هلسنكي - Helsinki Criteria»، التي تستخدم عالميًا لتقييم مخاطر الأسبستوس، فإن الفهم العلمي للخطر يقوم على ثلاثة مستويات، أولًا الخطورة، حيث وجود الأسبستوس ذاته في البيئة، ثانيًا التعرض، وهو مقدار الألياف التي يستنشقها الإنسان، وثالثًا الخطر الحقيقي، وهو حاصل ضرب الاثنين معًا «الخطورة والتعرض».

ويشرح الخبراء أيضًا مفهوم التعرض التراكمي، وهو مقياس يجمع بين عدد الألياف في الهواء ومدة التعرض لها «بالسنوات»، وتشير الدراسات التاريخية، التي استندت إلى تجارب عمال مناجم في كندا، إلى أن التعرض التراكمي بمقدار 25 ليفة (تركيز ألياف الأسبستوس) لكل مليلتر من الهواء في السنة هو الحد الذي يتضاعف بعده خطر الإصابة بسرطان الرئة أو داء الأسبستوس.

أما الورم البلوري، وهو أحد أخطر أنواع السرطان المرتبطة بالمادة، فقد يظهر حتى عند مستوى أقل، نحو 5 ليفة لكل مليلتر في السنة.

لتوضيح الصورة أكثر، نقدم مثالاً بسيطًا لكنه معبر، فتخيل كهربائيًا يعمل في مبنى قديم يحتوي جدرانًا من ألواح الأسبتسوس، وأثناء حفره ثقبين لتركيب مصباح، يطلق في الجو ما يقارب 2 ليفة لكل مليلتر من الألياف.

إذا كانت العتبة الخطرة 25، فإن 25 ÷ 2 = 12.5 سنة من التعرض المنتظم تكفي لتوليد مرض خطير، وبمعنى آخر، العامل الذي يقوم بهذا النوع من المهام ثلاث مرات أسبوعيًا قد يواجه خطر الإصابة بالسرطان بعد 25 إلى 35 سنة، حتى دون أن يدرك أنه كان في خطر.

وهنا يؤكد «روجر» أن المهن الأكثر عرضة اليوم ليست تلك التي كانت معروفة في الماضي، كعمال السفن والمصانع، بل الحرفيون، أي الكهربائيون، السباكون، النجارون، والعاملون في صيانة المدارس والمباني العامة.

تُظهر الإحصاءات أن وفيات الأسبستوس في المملكة المتحدة ارتفعت من نحو 2000 وفاة سنويًا قبل عام 2000 إلى أكثر من 6000 اليوم.

معظم الضحايا من موظفي السلطات المحلية والحرفيين والعاملين في صيانة المباني القديمة، وذلك خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين اضطرت بريطانيا إلى بناء آلاف المنازل باستخدام ألواح الأسبستوس بسبب نقص مواد البناء الأخرى، تلك المنازل ما زالت قائمة حتى اليوم، وتعد مصدرًا مستمرًا للخطر.

غزة

درس من مدرسة قديمة.. كيف ينتشر الأسبستوس دون وعي؟

لتبسيط الصورة أكثر، تُروى قصة رمزية لكنها مأخوذة من وقائع حقيقية، ففي مدرسة قديمة، تنقطع الإضاءة في أحد الصفوف، تتصل المُدرّسة بالبواب، الذي يستدعي فنيًّا لإصلاح العطل، يصعد الفني إلى السقف، يثقب اللوح العازل المصنوع من الأسبستوس، يقطع الأسلاك، يركب المصباح، ويغادر، ولم يكن أحد منهم يرتدي قناعًا أو يعرف ما في السقف «وهو الأسبتسوس».

لكن الفني قام بالعمل ذاته مئات المرات على مدار 20 عامًا، بعد سنوات، يصاب بالورم البلوري، السرطان المرتبط بالأسبستوس، دون أن يدرك أن سقف المدرسة كان قاتله الصامت.

تاريخ الأسبستوس.. من المعدن المعجزة إلى القاتل العالمي

لكن من أين بدأ الأسبستوس وما هي قصة اكتشافه؟ قبل 4500 عام دخل تم اكتشافه في فنلندا باعتباره مادة لا تحترق، ظل ينظر إليه كمعدن معجزة، ومع الثورة الصناعية تحول إلى صناعة كبرى، وانتشرت أليافه في المصانع والقطارات والمنازل.

بدأ العمال يعانون من مشاكل تنفسية غامضة، وفي 1898 حذرت لوسي ستريتفيلد، مفتشة المصانع البريطانية، من خطورته على الرئة ووصفت أليافه بأنها شظايا زجاجية دقيقة، لكن تجاهلها الجميع.

لاحقًا، أثبتت التقارير والتجارب العلمية بين 1906 و1918 وجود علاقة واضحة بين الأسبستوس وتليف الرئة والموت المبكر، وفي 1930 جاءت دراسة إيرا ميرويذر، طبيب بريطاني، لتؤكد أن ربع العاملين بالأسبستوس يصابون بمرض خطير.

هكذا تحول الأسبستوس من نعمة صناعية إلى مأساة صحية صامتة قتلت ملايين البشر، مما دفع دولًا عديدة، منها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ومصر والكويت والسعودية والإمارات والأردن إلى حظره.

غبار خفيف لا يرى بالعين المجردة

يتخيل الدكتور وليام كوكسون، أستاذ الطب الجينومي في إمبريال كوليدج لندن والمتخصص في أمراض الجهاز التنفسي، مشهدًا لوصول ألياف الأسبستوس إلى الجهاز التنفسي الفلسطينيين، فهو غبار خفيف لا يرى بالعين المجردة، يظهر وكأنه بقايا مبانٍ محطمة، لكنه يحمل في داخله أليافًا قادرة على تغيير مسارة حياة أجيال بأكملها.

يقول «كوكسون»، في حديثه لـ«الوطن»، إن الخطر الحقيقي لا يكمن دائمًا في شدة الحرب، بل في ما تبقيه وراءها، فحين تكون مستويات الأسبستوس في الهواء مرتفعة بما يكفي، يبدأ تندب الرئتين تدريجيًا، فيما يعرف بداء الأسبستوس: «مرض بطيء، يتطور على مدى سنوات طويلة، وغالبًا ما يصيب أولئك الذين يتعاملون يوميًا مع إعادة الإعمار».

ورم المتوسطة.. أكثر تأثيرات «الأسبتسوس» خطرًا

لكن ما يقلق كوكسون حقًا هو المرض الأكثر ضراوة، ورم المتوسطة: «هذا سرطان لا يرحم»، كما يقول: «يظهر بعد عقود من التعرض، وقد يكفي تعرض واحد لبدء مساره».

لا يعود حجم الجرعة مهمًا، فالألياف الصغيرة التي تدخل الرئة مرة واحدة قد تظل كامنة، قبل أن تنقلب حياة شخص ما رأسًا على عقب بعد أعوام عديدة.

وفي بيئة مزدحمة مثل قطاع غزة، حيث يعيش الناس على تماس مباشر مع الأنقاض، تصبح الصعوبة في كيفية تجنب تلك المادة المدمرة: «ما يجب فعله واضح، حتى لو صعب التحقق، وهو إجراء اختبارات منهجية لقياس مستوى الخطر ونشر النتائج علنًا، وتقليل استنشاق الغبار قدر الإمكان، باستخدام الأقنعة والمرشحات»، لكنه يعود ليشير إلى واقع غزة كما هو: «في هذا المستوى من الدمار، تنفيذ أبسط إجراءات الحماية يبدو مهمة شبه مستحيلة».

غزة

مادة أشد فتكًا من القذائف نفسها

خلال حديثنا معه، كان الدكتور سلطان بركات، المدير المؤسس لمركز دراسات النزاع والعمل الإنساني والأستاذ الفخري بجامعة يورك البريطانية، يرى الصور والمشاهد التي أرسلناها إليه ورآها مرارًا وتكرارًا في غزة خلال أكثر من عامين على الحرب الإسرائيلية، يرى بقلبه غبار ناعم، أبيض، يتسلل إلى الهواء فوق غزة، بدا في ظاهره مجرد بقايا مبان، لكنه في الحقيقة كان يحمل مادة أشد فتكًا من القذائف نفسها، وهي الأسبستوس.

يقول إن دخول الأسبستوس إلى غزة بدأ مبكرًا، مع بناء مخيمات اللجوء الأولى، كانت المادة مثالية في ذلك الوقت، فهي لينة، عازلة للحرارة، مقاومة للحرائق، ورخيصة بما يكفي لبناء أسقف المخيمات المكتظة، حيث استخدمت في الأسقف.

لكن الحرب عام 2009 كانت نقطة التحول، حيث تم اكتشاف وجود الأسبستوس الأزرق في غزة، وهو النوع الأكثر خطورة، يتحدث «بركات» قائلًا: «مع القصف، تحطمت الألواح وتحول الأسبستوس إلى غبار متطاير، هذا ما أدى إلى ارتفاع كبير في حالات السرطان في تلك السنوات».

لم تكن المشكلة مقتصرة على الأسبستوس، فالحطام يخفي مواد أثقل أثرًا وأكثر صمتًا، وهي اليورانيوم المشع، الذي استخدمته الولايات المتحدة وإسرائيل في الذخائر، كما حدث في العراق وسوريا: «المواد المشعة تبقى لعقود، وربما لقرون، عندماة تصاب سيارة مثلًا بصاروخ من هذا النوع، يتحول إلى جسم مُشع بالكامل، إنه أخطر من الأسبستوس، لكن الأسبستوس ينتشر أسرع ويصل للجميع».

ومع عودة آلاف الفلسطينيين اليوم إلى منازل نصف مدمرة أو مدمرة كليًا، يتحرك الناس والمنقذون فوق طبقات من الغبار السام، كل خطوة تثير جزيئات غير مرئية، وكل جدار منهار يحمل مزيجًا من المخلفات العضوية، المعادن الثقيلة، والمواد المشعة.

في أماكن مختلفة من العالم، من البوسنة والهرسك إلى الدنمارك، تدخلت شركات متخصصة لإعادة تدوير حطام الحروب، مستخدمة أجهزة صنعت خصيصًا لهذا الغرض، لكن التجربة مكلفة ومعقدة، وتتطلب بيئة آمنة وبنية تحتية غير متاحة في غزة: «حتى لو حاولنا التدوير، لن يكون مجديًا بالوتيرة المطلوبة، وسيؤخر إعادة الإعمار ويعرض السكان لمخاطر صحية جسيمة».

الحل في التخلص من ركام المنازل.. ليس إعادة التدوير

أما الحل، برأيه، فهو دفن الحطام في البحر، يشرح قائلًا: «الطريقة استُخدمت في بيروت وغيرها، وهو نقل الحطام في الماء حيث تقل خطورة الأسبستوس بشكل كبير، يمكن تحويل الردم إلى توسعة عمرانية أو ساحلية»، فبالنسبة له، قد يكون هذا الخيار هو الوحيد القابل للتنفيذ في بيئة محاصرة وممتلئة بسموم الحرب.

ما يقلق «بركات» أكثر هو الزمن، لا القنابل، فالأسبستوس قاتل بطيء: «السرطان لن يظهر اليوم ولا غدًا، ولكن بعد 10 أو 20 سنة أو أكثر»، وفي تقديره، قد يكون هناك أشخاص قتلوا في الحرب الإسرائيلية على غزة نتيجة استنشاق كميات غير مسبوقة من الأسبستوس.

ثم يضيف بصوت يحمل خبرة عقود من العمل في مناطق النزاع: «هكذا كان الأمر في العراق، وأتوقع أن غزة ستشهد السيناريو نفسه، وربما أسوأ».


مواضيع متعلقة