الصلف الإثيوبى بلغ منتهاه، والتصرفات الحمقاء غير المسئولة التى تقوم بها فى إدارتها للسد أصبحت تشكل خطراً كارثياً على دولتَى المصب، وهذا ما نبَّهت إليه مصر منذ سنوات، وطالبت بأن تكون إدارة السد فى إطار قانونى وتشارك فيه مصر والسودان حتى لا يتسبب فى أضرار للدول الثلاث، لكن التعنت الإثيوبى وخلط الأوراق، جعلها ترفض كل الحلول، وتستأثر بإدارة السد بمفردها وهى لا تجيد ذلك.. وكان الجانب الإثيوبى يتصور أنه يستطيع حبس الماء عن مصر، بحجة التنمية، ولا يعرف أن الكمية المهولة التى خزَّنها وراء السد دون تصريف طبيعى، قد تؤدى إلى كارثة محققة، تتمثل فى عدم تحمُّل جسم السد للكمية الكبيرة من المياه التى حبسها دون دراسة ودون حساب ودون إدارة جيدة لها.. وعندما أيقن المسئولون فى إثيوبيا حجم الخطر الذى تسببوا فيه، وأن السد عُرضة للانهيار، وأنه لو حدث ذلك ستكون أضراره كالقنبلة النووية، سارعوا فى تصريف مفاجئ وعشوائى للمياه، دون تنسيق أو إخطار لدولتَى المصب، مما أدى إلى غرق عدة مدن فى السودان الشقيق، ولولا السد العالى وإعادة تأهيل مفيض توشكى لتكبَّدت مصر خسائر فادحة فى الأرواح والممتلكات، ورغم ذلك فإن الخسائر نتيجة ارتفاع منسوب النيل، قد طالت عدداً من القرى المصرية، وغرقت أراضٍ زراعية وتهدَّمت بيوت، وأصبحت وزارة الرى المصرية فى حالة طوارئ على مدار الساعة، تحسباً لأى تصريف آخر أحمق ومفاجئ من الجانب الإثيوبى.
وظنى أنه لا بد من البدء فى اتخاذ الإجراءات القانونية لمطالبة إثيوبيا بتعويض مصر عن الأضرار والخسائر التى لحقت بها نتيجة هذه التصرفات الأحادية، والتى كان يمكن تجنب حدوثها إذا استمع الجانب الإثيوبى لصوت العقل والمنطق فى كيفية إدارة هذا السد الكارثى، ولا بد أن تقوم وزارة الخارجية بالتنسيق مع هيئة قضايا الدولة والوزارات المعنية كالرى والزراعة بإعداد ملف قانونى متكامل وإقامة دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية للمطالبة بالتعويض المناسب عن الأضرار والخسائر التى تكبَّدتها مصر جراء السد الإثيوبى.
وهذا المسار القانونى سيكون بالطبع موازياً وليس بديلاً للمسار السياسى الذى تقوم به مصر فى المنظمات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن، المسئول عن السلم والأمن الدوليين، للتحذير مما يسببه هذا السد من أضرار لدولتَى المصب، وتزداد كارثية السد لأن الدولة الإثيوبية فشلت أو قل تتعمَّد الفشل، للإضرار بدولتَى المصب، وأصبحت إثيوبيا كالذى اشترى سيارة دون أن يتعلم القيادة، فتتحول السيارة فى يده من أداة للنقل إلى أداة للقتل، ويرفض صاحبها تعلم القيادة.
نثق فى إدارة الدولة لملف السد، من منطلق أن الشعب يعلم تمام العلم أنه لا تفريط فى أى قطرة مياه، وأن الدولة لديها أدواتها الفعالة للحفاظ على حق مصر فى حصتها من المياه.
ولأن مصر تملك أعرق مدرسة رى ولديها خبراء ومهندسو رى على أعلى مستوى من الكفاءة العالمية، فقد نبَّهت بضرورة أن تكون هناك إدارة مشتركة للسد حتى لا يتضرَّر أى من الأطراف الثلاثة (مصر والسودان وإثيوبيا) سواء فى مواسم الجفاف أو فى مواسم الوفرة والفيضانات، ورفضت إثيوبيا كل مبادرات التفاوض، ولم تستجب لأى وساطات. التصرفات العدائية وبيانات الخارجية الإثيوبية «الخشنة» لا تحتاج إلى مجهود لنعرف أن أديس أبابا تنفذ مخططاً ومؤامرة على مصر، وأن وراء هذه المؤامرة العدو الإسرائيلى، الذى من مصلحته تشتيت الجهود المصرية، وعرقلة خططها فى التنمية والنمو، ومصر شعباً وحكومة تعرف ذلك جيداً، ومستعدة لكل السيناريوهات، وعندها حلول لكل الأزمات. لكن الذى لا تعلمه إثيوبيا أنها لن تستطيع أن تسرق أو تحبس نقطة مياه من حصة مصر، وأن وهم أنها صاحبة مياه النيل وحدها سيتبخر قريباً، وأننا على علم تام بكل الإجراءات التى تقوم بها، وأن حركة المياه فى النهر من المنبع إلى المصب مرصودة على مدار الساعة بالأقمار الصناعية.
لسنا ضد مشروعات التنمية فى أى بلد أفريقى، بل نشجعها وندعمها، ولكن دون إضرار بدول أخرى، وما تقوم به إثيوبيا من ممارسات فى إدارة السد ليس تنمية، ولكنه يُعد من التصرفات العدائية ضد دولة المصب، وهى منذ إنشائها لهذا السد فشلت فى توليد الكهرباء التى وعدت شعبها بها، ولم تُقم أى مشروعات تنمية جديدة.