أزمة «صلاح» والتباين الصارخ بين القائد المحترف والمدير الهدام!

د. دينا خليل

د. دينا خليل

كاتب صحفي

مَن هو المسئول عن نظرة الإحساس بالظلم والتعسف ونبرة الحزن والإحباط فى التصريحات التى أدلى بها الأسطورة المصرى محمد صلاح، والتى وصفها الإعلام الغربى بالقنبلة، بعدما تم تجميده ووضعه على دكة الاحتياط لثلاث مرات متتالية؟ من الواضح أن اللاعب غير المعتاد على مثل هذه التصريحات قد فاض به الكيل للدرجة التى يصرح فيها بأنه يشعر بالمؤامرة ضده والتضحية به ككبش فداء لتبرير خسارات النادى المتتابعة.

ومَن هو المحفز للنجاحات التاريخية غير المسبوقة التى قدمها «صلاح» للنادى؟ الفرق بين «سلوت» و«كلوب» هو الفرق بين المدير المتعسف والقائد الداعم، وهو مثال صارخ لقدرة نظم الإدارة على الإفشال أو الدعم، وينطبق ذلك المدخل قطعياً على تربية الأبناء وعلى إدارة الكيانات الاقتصادية، بل وإدارة الدول ذاتها! وبغض النظر عما إذا كان النادى افتعل الأزمة عمداً للاستفادة من بيع «صلاح»، فإن الصدام لم يكن مجرد اختلاف فنى عابر، بل كان مرآة واضحة تكشف الفارق الجوهرى بين مدرب يعرف كيف يقود نجومه نحو المجد، ومدرب يضيع الفريق لأنه لا يعرف كيف يقرأ لاعبيه وقدراتهم، والمقارنة بين «كلوب» و«سلوت» ليست مقارنة بين حقبتين فقط، بل بين فلسفتين؛ عقلية بناء وأخرى هدم.

فى عالم كرة القدم، لا يحتاج محمد صلاح إلى تعريف، فهو ليس مجرّد لاعب فى ليفربول، بل هو رمز عالمى حمل النادى على كتفيه لسنوات، وكتب اسمه فى تاريخ الدورى الإنجليزى كأحد أعظم الأجنحة فى حقبة «البريميرليج» الحديثة، أمّا هذا الموسم، ورغم تذبذب نتائج الفريق، فقد أثبت مجدداً أنه قيمة ثابتة فى منظومة مهتزّة.

مع «سلوت» دخل ليفربول مرحلة انتقالية صعبة، لكن ما لم يتوقعه أحد هو أن تتحوّل العلاقة بينه وبين أهم لاعب فى الفريق إلى ساحة توتر وصدام، فبدلاً من أن يستفيد المدرب الجديد من خبرات «صلاح»، بدأ، بحسب ما يُتداوَل، فى تهميش دور اللاعب بوضعه على الدكة فى مباريات مؤثّرة دون تفسير فنى مقنع رغم جاهزيته البدنية، وتحميله مسئولية التراجع من خلال تسريبات وتصريحات توحى بأنه يريد الإيحاء للجمهور بأن الفريق «يتطوّر بدونه»، وكأن المشكلة فى «صلاح» وليست فى أسلوب إدارته الباهت، وهى حيلة معروفة يخلقها المدير الفاشل للتنصل من مسئولياته، ومهما حاول البعض تصوير الأمر على أنه «قرارات فنية»، فإن اختيار التضحية بنجم الفريق الأول هو خطوة لا يقوم بها إلا مدرب يشعر بالتهديد.. أو يبحث عن شماعة جاهزة لتبرير فشله.

على الجانب الآخر، «كلوب» لم يكتفِ باستخدام «صلاح» كلاعب، بل حوّله إلى مشروع ناجح متكامل، أعطاه المساحة وحرية الحركة، وصمّم خطط اللعب حول قوته وسرعته، وحماه من الضغط الإعلامى، وأشعل حماسه، وثقته، وجعله يشعر بامتلاك دور قيادى، مع «كلوب» كان ليفربول فريقاً يخدم «صلاح».. و«صلاح» يخدم الفريق، وأصبح هو المدرب الذى بنى حول «صلاح» فريقاً كاملاً. هذا يلخص عملية الإنجاح أو الإفشال، فكل مدير يستطيع أن يبنى نجماً مستغلاً جميع إمكانياته بتوظيفها التوظيف الأمثل، أو يهدم موهوباً بالإهمال والتجاهل وعدم دراسة الإمكانيات والتركيز عليها فتبدأ موهبته بالتضاؤل شيئاً فشيئاً لينعته المجتمع بعد ذلك بالفشل، فالفارق واضح؛ «كلوب» يبرز مهارات لاعبيه و«سلوت» يطمسها، «كلوب» يشجع نجومه و«سلوت» يخلق صداماً معهم، «كلوب» يصنع منظومة و«سلوت» يتحدث عن منظومة لا وجود لها.

لم يعرف ليفربول فى السنوات الأخيرة قيمة ثابتة وركيزة راسخة مثل محمد صلاح، فاللاعب، الذى صنع تاريخاً للنادى وحصد ألقاباً فردية وجماعية لا تُحصى، أصبح اليوم الضحية الأولى لمدرب جديد لم يفهم بعد حجم النادى الذى يقوده ولا وزن الأسطورة التى يتعامل معها، ورغم الرحيل التاريخى لـ« كلوب» فعل «صلاح» ما اعتاد أن يفعله دائماً: يسجّل، يصنع، يقود، ينقذ فريقه فى اللحظة الأخيرة، وأرقامه هذا الموسم، رغم الإصابات والتخبط الخططى، كانت أعلى من أغلب مهاجمى الدورى، وقوته الذهنية، انضباطه، وحضوره القيادى، ظلّت تظهر فى كل مباراة، وأثبت أنه لاعب لا ينطفئ بل يتوهج رغم فوضى الإدارة، حتى جاءت الأحداث الأخيرة الناتجة عن مدرب «يشخصن» الأمور، حيث وصل له، بحسب ما أُشيع، أن «صلاح» يلوم قيادته على تدهور مستوى النادى، وبأسلوب كيدى غير احترافى وطفولى قرر أن يوقّع فرمان الظلم عليه، وبحسب معايشتى للنظام البريطانى، الذى يقدس الحالة النفسية والذهنية للأفراد، فلا أعتقد أن شعور الاضطهاد الذى شعر به «صلاح» سيمر مرور الكرام!