التاريخ بريشة «جوجل»

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

التاريخ فى ذاكرتنا رجل عجوز، لحيته بيضاء كنتف السحاب، يمسك بريشة يكتب بها على صفحات مجلد ضخم، يوثق ويرصد، محايد قدر الإمكان، يقسم قبل كل صفحة بأن يحافظ على صدق التاريخ، ودقة النقل، هذا المشهد رحل كما رحلت مشاهد وذكريات جميلة، أصبحت الآن نوستالجيا فى زمن الديجيتال والذكاء الاصطناعى، صار الآن جوجل هو مؤرخ الجيل الجديد، وسيصبح فى المستقبل القريب جداً الـAI، فى ظل القديس جوجل سيصبح التاريخ على الذواقة، وحسب الطلب، ودليفرى بفلوس الزبون الأكثر مالاً وتأثيراً، سيصبح التاريخ خاضعاً للخوارزميات، مكتوباً على قدر مهارة مستخدم تلك الخوارزميات فى جعل تاريخه يحتل مقدمة النتائج، معتمداً على أن الجيل الجديد نافذ الصبر، متسربع، يبحث عن المعلومة الجاهزة عند أطراف أصابعه، لا عن المعلومة الحقيقية المجهدة الموجودة فى قاع المحيط المعلوماتى، والتى تحتاج إلى الغوص ما بين الشعاب المرجانية، وأسفل الطحالب والأصداف، جرب الآن أن تكتب على جوجل «رابعة»، أول نتيجة ستظهر لك هى بعنوان مجزرة رابعة!! أى أن خوارزميات جوجل تمنحك وأنت على سريرك رأى الإخوان المسلمين!

لو كتبت «سيد قطب»، ستجد فى المقدمة موقع القرضاوى تحت عنوان سيد قطب شهيد الدعوة، وبعده برنامج أحمد منصور على الجزيرة، يتحدث فيه عن البطل سيد قطب، ابحث فى جوجل واكتب حسن البنا، ستجد فى النتيجة الأولى كلام قناة الجزيرة وموقع رصد!!، كل هذه المعلومات ليست راجعة إلى سوء نية جوجل، أو لأنه محرك بحث شرير.

ولكن لأن معايير البحث من خلال تغذيته، تخضع لآليات، من الممكن جداً أن يكون الكاذب الشرير أكثر شطارة فى فهمها واستخدامها، فهو قد بدأ مبكراً، وصار أكثر مرونة، وأسهل بحثاً، وهذا يدق ناقوس خطر مرعب، ما هو شكل الفهم التاريخى للجيل الجديد الذى لا يبحث فى مراجع، ولا يعود لوثائق تاريخية، وكل ثقافته التاريخية هى من المنصات والأفلام والمسلسلات، والأهم من جوجل، مؤرخ العصر الحديث، الزمن القادم سينفض الكسالى عن فرائه، ويمضى مهرولاً إلى المستقبل، بأكاذيبه التاريخية، التى ستعتبر بديهيات وثوابت بعد ذلك، وسيتحدث كل الشباب بلسانها ولهجتها، الخطر من الاعتماد على نتيجة بحث أولى، لماذا؟، لأن مجرد أن الصفحة تظهر فى أعلى النتائج لا يعنى أنها صحيحة تاريخياً أو موثوقة، لأن «الضجيج» (مواقع كثيرة تكرر نفس المعلومة) يعطى انطباعاً زائفاً بالمصداقية، لأن بعض المزاعم قد تبدو «منطقية» أو «مقبولة» لعلماء غير متخصصين وبهذا تغدو وهماً يُعاد إنتاجه، لكن ما هو سبب ما يُعرف بـ Google bombing، صفحات أو مواقع تُروّج لمعلومة خاطئة وتستخدم تقنيات SEO (تحسين محركات البحث) أو روابط كثيرة لجعلها تحتل مرتبة عالية، حتى لو كانت غير دقيقة.

فى بعض الحالات يحدث تضليل متعمَّد أو تقديم «تاريخ بديل / مُزيّف» (pseudo-history)، يجمع أشخاص أو جماعات «مصادر» ضعيفة أو مختلقة، أو تفسيرات مغرضة لأحداث تاريخية لخدمة رأى أو أيديولوجية، كثرة تكرار محتوى خاطئ عبر مواقع كثيرة (blogs، صفحات فردية، مواقع تسويق أو ربح إعلانات) تجعله يبدو «رائجاً» و«مشهوراً»، مما يخدع خوارزمية البحث ويعطيه ترتيباً أعلى، لذلك تأكد من أن المصدر أكاديمى أو من مؤرخين معروفين أو جهات بحثية، ابحث عن مراجع ومصادر أولية ليس فقط مدونة أو مقال رأى، قارن بين عدة مصادر، وألا تعتمد على نتيجة واحدة فقط، وما زال الحديث عن كارثة تزييف التاريخ الجوجلى مستمراً فى مقال قادم.