وسائل التواصل والانتخابات والشعبية الافتراضية

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

شهدت السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً لا يمكن تجاهله، فى الممارسة السياسية، وإدارة الحملات الانتخابية، وباتت وسائل التواصل الاجتماعى لاعباً أساسياً، وتحولت إلى ساحات سياسية افتراضية تؤثر بعمق فى الرأى العام، وتعيد تشكيل استراتيجيات المرشحين، وتلعب دوراً مزدوجاً فى تعزيز الشفافية من ناحية، ونشر الشائعات والأكاذيب من ناحية أخرى.

أسست وسائل التواصل الاجتماعى لنموذج جديد فى الدعاية الانتخابية، يتجاوز الوسائل التقليدية، وزادت مساحة الاهتمام بالدعاية الإلكترونية، على حساب اللوحات الدعائية فى الشوارع والميادين. هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً لقدرة هذه المنصات على الوصول المباشر إلى الناخبين، خاصة فئة الشباب، دون وساطة الوسائل الإعلامية التقليدية. أتاحت وسائل التواصل للمرشحين تقديم أنفسهم وبرامجهم بشكل غير مسبوق، كما أصبحت هذه المنصات كمجتمعات افتراضية، من أهم أدوات الحشد والتعبئة، ونشر الرسائل السياسية بسرعة وكفاءة، وقياس ردود الفعل المباشرة.

ورغم هذا التأثير الكبير، أظهرت الانتخابات البرلمانية التى نشهدها حالياً، التناقض الصارخ بين الشعبية الافتراضية لبعض المرشحين، على المنصات الرقمية، والشعبية الفعلية على أرض الواقع، التى يمكن ترجمتها إلى أصوات فى صناديق الاقتراع. وأثبتت التجربة أن المرشحين الذين يحظون بمتابعة هائلة على وسائل التواصل، وتحولوا إلى مشاهير ونجوم على «السوشيال ميديا»، قد لا يحصلون على الأصوات المؤهلة للنجاح، ويحققون نتائج «صادمة» عند مقارنتها بحجم انتشارهم الافتراضى. هذه الفجوة تعكس عدة حقائق، أبرزها اختلاف ديموجرافية المتابعين على وسائل التواصل، عن ديموجرافية الناخبين الفعليين فى الدوائر الانتخابية.

وتأكد للجميع أن شعبية المرشح تعتمد على عوامل مركبة، تتجاوز حدود مهارة إنتاج المحتوى الجذاب، من بينها الانتماءات العائلية والعشائرية، والتاريخ السياسى للمرشح، وقدرته على تقديم خدمات حقيقية للناخبين فى نطاق الدائرة الانتخابية.

المشاهد المصنعة واللقطات الطريفة لم تكف المرشح، ولم تضمن فوزه، فهى مجرد ضجيج رقمى، لا يعكس بالضرورة قناعات الناخبين لتحويل المشاهدة إلى تصويت فعلى. وتلعب وسائل التواصل الاجتماعى دورها أيضاً، كساحة خصبة لنشر الشائعات والمعلومات المضللة، التى زادت معدلاتها خلال الانتخابات. وفى تقرير لجامعة أكسفورد، فإن ربع المحتوى السياسى حول انتخابات الرئاسة الفرنسية الأخيرة كان مضللاً، وهذه الظاهرة ليست فرنسية حصراً، لكنها باتت سمة مشتركة فى معظم الانتخابات حول العالم بحسب التقرير.

وتستخدم الأحزاب، والمرشحون، ما يسمى بـ«الكتائب الإلكترونية» لنشر رسائل تحاول تشويه صورة المنافسين، أو صرف الانتباه عن القضايا الجوهرية، أو حتى التأثير على نسبة المشاركة الانتخابية عبر ترويج مقولات مثل «كل السياسيين فاسدون» أو «صوتك لا يغير شيئاً». وعلى الجانب الإيجابى، أثبتت وسائل التواصل الاجتماعى فاعلية ملحوظة فى تعزيز النزاهة الانتخابية، وأصبحت هذه المنصات أدوات مراقبة شعبية، تسمح للمواطنين، والمنظمات المدنية بتوثيق الخروقات والمخالفات الانتخابية، ونشرها على نطاق واسع، مما يدفع الجهات المسئولة للتحرك، وملاحقة المخالفين فى أسرع وقت.

حولت الهواتف المحمولة كل مواطن إلى مراسل ميدانى، قادر على تسجيل أى تجاوز، من التلاعب فى الصناديق، إلى التهديدات أو شراء الأصوات، هذا الدور الرقابى يعوض جزئياً محدودية تغطية المراقبين الرسميين، ويفسح المجال للفعالين غير الرسميين فى الدفاع عن نزاهة الانتخابات، وضمان نزاهتها. ومن الآن فصاعداً، فإن التعامل مع تأثير وسائل التواصل الاجتماعى فى العمليات الانتخابية يقتضى من كل أطرافها، فهماً دقيقاً ومعقداً، يبتعد عن التبسيط المخل.

النجاح الانتخابى سيظل فى النهاية مرتبطاً بالقدرة على الجمع بين التواصل الفعال، عبر المنصات الرقمية، والحضور القوى على الأرض، والبرامج الحقيقية التى تلامس احتياجات الناخبين، مع الحفاظ على المصداقية والنزاهة. يبقى التحدى الأكبر، وهو تطوير الوعى الجماعى القادر على التمييز بين الصورة الرقمية المصنعة، والواقع السياسى الملموس، بين الضجيج الافتراضى والبرامج الحقيقية، بين الشعبية العابرة والقدرة على القيادة والإنجاز.

فقط من خلال هذا الوعى النقدى يمكن للناخبين تحويل وسائل التواصل الاجتماعى من أدوات للتلاعب إلى منصات للمساءلة، والاختيار الديمقراطى الرشيد.