محمود فوزي السيد يكتب: أحمد سعد.. يا عزيزي أنت لست «مونولوجيست»

كاتب صحفي

هل من بيننا من يستطيع انتقاد صوت أحمد سعد، أو التقليل من حجم موهبته؟.. هل يمكن لعاقل أن ينكر على الرجل أنه أحد أهم الأصوات التى مرت علينا منذ بداية الألفية الجديدة؟.. هل يمكن لناقد أن يغفل أنه المطرب «الأشطر» فى القدرة على العودة إلى صدارة المشهد الذى توارى عنه لسنوات طويلة لأسباب «غير مفهومة» وقتها؟

بالتأكيد لا يمكن لأحد انتقاد كل ما سبق عن أحمد سعد الذى ما زلت أرى فيه أحد أهم المشروعات الغنائية بين أبناء جيله؛ بعدما استطاع أن يتحول فى سنوات قليلة -بعد العودة- إلى الحالة التى نراه عليها اليوم، هو تقريباً المطرب الأكثر طلباً على الساحة على كل المستويات «حفلات - إعلانات - أغانى أفلام - تترات مسلسلات»، الجميع يريد الاستفادة من صوته وحضوره لضمان نجاح أعمالهم، وهو الحقيقة لم يخذل طامعاً فى النجاح يوماً.

أغنياته عادة ما تتصدّر المشهد وقت طرحها، خاصة بعد قيامه بعملية تغيير جلد شاملة لنوعية الأغنيات التى يقدّمها، والتى أصبحت صالحة للاستهلاك السريع «إيه اليوم الحلو ده - اختياراتى مدمرة حياتى» وغيرهما من الأغنيات الخفيفة التى اتخذها منهجاً غنائياً جديداً عكس أغنيات البدايات التى تميّزت أكثر بالميل إلى الطرب واستخدام المقامات الشرقية بتمعّن شديد والاستغراق فى «العُرب» و«الحليات» فى صوته بشكل لم يُحدث تفاعلاً كبيراً بينه وبين الجمهور وقتها، وأثر سلباً على وجوده فى الحفلات العامة، لأنه افتقد وقتها إلى أهم ميزة فى الحفلات «الشبابية»، التى ينتمى إليها، وهى قدرة الجمهور على مشاركته الغناء.

هو ليس من جيل الكبار «على الحجار ومدحت صالح وهانى شاكر»، الذين يذهب إليهم الجمهور للجلوس والاستماع والاستمتاع، إنما هو محسوب على فئة «الشباب» الساعين لإحداث تفاعل مع جمهور تلك الحفلات من الشباب والمراهقين، وبعد العودة استطاع الوصول إلى حل المعادلة بتقديم أغنيات خفيفة لا تفتقر إلى إظهار موهبة الصوت؛ لكن يؤخذ عليه الاستطراق الشديد فى «الكوميديا» فى كل إطلالاته، سواء على المسرح فى حفلاته، أو أثناء الاستضافة فى البرامج، أو حتى مؤخراً بمشاركته فى لجنة تحكيم برنامج اكتشاف مواهب، هو دائماً ما يصطنع مواقف «كوميدية» لتأكيد فكرة أنه المطرب «أبودم خفيف»، وهى صفة لا ينكرها عليه أصدقاؤه أو المقربون منه، لكنه دائماً ما يقطع «الشعرة» الفاصلة بين كونه مطرب «تقيل»، وبين شخصيته المرحة، ليظهر مؤخراً بشكل أقرب إلى «المونولوجيست» وليس المطرب المتمكن صاحب الموهبة الفذّة، وبالمناسبة لم أكن لأتعجب من كونه «مونولوجيست» لو كان قدّم لنا نفسه من البداية منتمياً إلى هذا النوع الجميل من الفن، فالمونولوجيست هو فنان يؤدى فقرة غنائية خفيفة تعتمد على الغناء المصحوب بالكوميديا أو السخرية والنقد الاجتماعى، وهو جزء أصيل من الثقافة الفنية المصرية، حيث يتمتع بالقدرة على مخاطبة المتلقى بأسلوب خفيف ولا يُشترط معه وجود إمكانيات صوتية عريضة.

ولعل العظماء «شكوكو» وإسماعيل ياسين من أهم النماذج التى تعد مرجعاً لفن المونولوج الغنائى فى تاريخنا، لكن أحمد سعد قدّم نفسه للجمهور بصفته مطرباً يحمل من المخزون الثقافى الغنائى والقدرات الصوتية الكثير، فما الداعى إذن لارتداء عباءة المونولوجيست فى معظم إطلالاته، حتى كم «الإفيهات» التى يطلقها بصفته عضو لجنة تحكيم برنامج اكتشاف مواهب لا تليق بمقعد «المحلل الغنائى»، الذى يجلس عليه، وتطغى فى كثير من الأحيان على تحليلاته لصوت المتسابق بشكل يبدو وكأنه يريد فقط إظهار مواهبه الكوميدية من خلال البرنامج لإحداث تأثير معين لدى المشاهد أو مداعبة جمهور السوشيال ميديا للبحث دائماً عن «إفيهات أحمد سعد فى برنامج كذا»، وليس «شاهد رأى أحمد سعد فى صوت فلان»، وهو الهدف الأساسى من وجوده ضمن لجنة تحكيم.

وهنا يجب أن يفصل أحمد سعد بشكل تام بين كونه مطرباً «تخطى الأربعين من عمره» يجب عليه الظهور بمظهر معين يتناسب مع حجم موهبته وتأثيره، وبين «خفة الظل»، التى يتمتع بها فى حياته الخاصة، بشكل يؤهله لنقلة جديدة فى مشواره، وإلا عاش حبيساً لتلك الشخصية التى لن تؤدى به إلى أى جديد بسبب «حرقها» يوماً تلو الآخر. هو يحتاج فقط إلى بعض الركوز -من التركيز- حتى يتخطى تلك المنطقة ويجلس مرتاحاً على مقعد المطرب الكبير صاحب الموهبة الفذّة.