الفنان التشكيلي علي المريخي: واجهنا طيور الظلام بمحتوى تنويري
الفنان التشكيلي علي المريخي: واجهنا طيور الظلام بمحتوى تنويري
أجرى الحوار: السيد العديسى ..تصوير - محمد خزعل
على المريخى فنان تشكيلى كبير ومخرج بالتليفزيون المصرى، عمل رئيساً للقناة الثامنة، فكان قريباً من نبض الشارع الصعيدى ومعبراً عنه فى البرامج التى يُخرجها أو الخرائط البرامجية التى يقرها. عاش عمره فى الصعيد، ولم تُغره العاصمة بأضوائها، فلم يطلب النقل للقنوات الكبيرة ذات الصبغة العالمية كما فعل غيره، وظل وفياً لأهله ومجنِّداً قدراته لخدمة أبناء مجتمعه الجنوبى البعيد ذى الأصول الضاربة فى التاريخ، عارفاً بمكونات هويته وتقاليده الراسخة، ومعبراً عنها، سواء فى فنه أو عمله الإعلامى. واستطاع، بدقة الإعلامى ورهافة الفنان، أن يُحدث توازناً بين عمله الإعلامى وشغفه الأصيل وعشقه للفن التشكيلى، فكانت مسيرته الإعلامية والفنية مزيجاً رائعاً بطله الرئيسى هو الصورة أو اللوحة أو الألوان أو الخطوط.. كلها مفردات تعبر عن جوهر تجربة على المريخى الإعلامية والفنية التى تستعرض «الوطن» محطاتها الرئيسية معه فى هذا الحوار.
فيلمى «جداريات الحج» بجنوب مصر أول توثيق لفن تراثى مصرى يُعبر عن الهوية والتاريخ
■ بداية.. كنتَ رئيساً للقناة الثامنة لفترة طويلة، وهى معنية بقطاع جنوب الصعيد.. ما الأهداف التى كنت تسعى لتحقيقها؟
- عملت مخرجاً بالقناة الثامنة لفترة طويلة.. والإخراج التليفزيونى هو ما أتاح لى العمل على قضايا المجتمع فى جنوب مصر، وإن كان اهتمامى بتلك القضايا بدأ منذ تخرجى بالجامعة، وقبل ذلك حتى، فقد مارست العمل الصحفى وإخراج مجلات الماستر أثناء الدراسة، وبمجرد تخرجى عام 1987 أسست مجلة باسم «صوت حجازة» وهى قريتى التى وُلدت وعشت فيها، وكانت معظم الموضوعات المطروحة تتناول تنمية مجتمع القرية والقرى المجاورة فى مجالات البيئة والصحة والتعليم، إلى جانب قضايا هامة، مثل القبلية وكيفية التخلص من مساوئها وأخطارها، فحققت المجلة نجاحاً فى محيطها، حتى إن أهالى القرى المجاورة طالبونا بتعميمها أو العمل على إصدار مجلات مماثلة تتناول قراهم.
■ وكيف ساهمت هذه البدايات فى مسيرتك فيما بعد؟
- هذه المحاولات ساهمت فى تشكيل وعيى وإدراك دور الصحافة والإعلام فى مجتمعاتنا، ومن ثم وجدت لدىَّ الحماس الكبير للعمل فى الإعلام الإقليمى، لدرجة أننى طوال فترة عملى لم أفكر فى الالتحاق بالعاصمة رغم الفرص التى أتيحت لى، ورغم أن هذا شىء مهم جداً لى كفنان تشكيلى، فقد آمنت بأن تأثير الإعلام فى هذه المناطق كبير جداً، وهام لأقصى درجة، لأن هذه المجتمعات دائماً متعطشة للمعرفة، ومن هنا وضعنا أمام أعيننا قضايا بعينها تحتاج الاهتمام، مثل قضية الأمية، وخصصنا لها الكثير من البرامج، وأعتقد أننا حققنا نجاحاً كبيراً فى هذا الأمر.. وغيره من الأمور الحياتية والمشكلات التى تجد استجابة، مثلما حدث من قبل حين بدأت الدولة فى تنفيذ مشروع تكافل وكرامة الذى نادى به الرئيس عبدالفتاح السيسى وأحدث تأثيراً عظيماً لدى الأهالى فى الأماكن النائية.
ما أريد قوله هو أن العمل بالإعلام الإقليمى كان مهماً بالنسبة لى، فقد أتاح لى التعرف عن قرب على مشاكل التنمية فى معظم محافظات الجنوب، مثل الأقصر والوادى الجديد والبحر الأحمر، ومنحنى فرصة رؤية هذا التنوع والثراء الإنسانى فى هذه الأماكن، أما أسوان فقد كانت بمثابة كنز دائم لى، فكل شبر فيها ينضح جمالاً خاصاً، ومنحتنى أهم برامجى، وهو برنامج «همسة الجنوب» عبارة عن خمس دقائق يومية من عرض للطبيعة الجميلة تصاحبه القصائد الشعرية.
■ وهل ترى أن الإعلام الإقليمى الآن بعد التحولات التى حدثت وتغوُّل وسائل التواصل الاجتماعى له نفس التأثير؟
- القنوات الإقليمية هى القادرة على نقل نبض الشارع وأحوال الناس عن قُرب بصورة أدق وأقرب وأكثر احترافية ومهنية بخلاف الفيس بوك وغيره من وسائل التواصل المنعزلة عن الواقع والباحثة عن «التريند» فقط.. لكن القنوات الإقليمية واجهت الكثير من التهميش والتجاهل، ما جعل العاملين بها فى حالة إحباط وبحث عن بدائل، ورغم ذلك استمرت فى بث برامجها التنويرية لمواجهة طيور الظلام، لا سيما أن معظم برامجها سياحية وفنية، فلم يجد «الإخوان» فرصة للدخول إليها، وأذكر أنهم أثناء توليهم الحكم فى السنة الكبيسة التى مررنا بها حاولوا العبث ببعض البرامج، فجاءت استقالة عصام الأمير من رئاسة التليفزيون المصرى آنذاك اعتراضاً على تدخل وزير الإعلام الإخوانى، ومحاولته السيطرة على ما يُعرض من برامج، فأعطى ذلك حافزاً للعاملين على رفض أى محاولة منهم لاختراق القنوات المختلفة فى الاتحاد.
وأذكر أن الزملاء فى القناة الثامنة كانوا يتسابقون على توثيق الإبداعات الشعبية والأماكن الأثرية والعادات والتقاليد الخاصة بالمحافظات الـ6 التى تغطيها القناة، حتى إن الكاتب الكبير الراحل جمال الغيطانى كتب فى أحد مقالاته «القناة الثامنة هى القناة المصرية الحقيقية»، وعبَّر حينها عن استنكاره لما تقدمه القنوات الرئيسية من أغانى فيديو كليب ومنوعات لا تعبر عن صورة مصر الحقيقية وتُبعد المشاهدين عن قضاياهم الأساسية ومشاكلهم المحلية.
أسوان منحتنى أهم برامجى وهو «همسة الجنوب» وأهم تكريم حصلت عليه كان عن برنامجى «إبداعات جنوبية»
■ كفنان تشكيلى، نلاحظ أن اهتمامك ينصب على المكون الجنوبى، فنرى الطبيعة والجلباب والعمة الصعيدى والعصا، حدِّثنا عن رؤيتك لهذا الأمر!!
- هذا حقيقى.. فأنا نشأت فى قرية أعتبرها محور الكون، رغم أن عمرها تقريباً لا يتعدى المائة عام، فقد تشكلت خلال هذه الفترة كمجتمع عمرانى، حيث جاء جدودى من قنا إلى أسوان، ومن ثم تعمير منطقة من الصحراء فى كوم أمبو أطلقوا عليها قرية «حجازة»، وخلال عشرين عاماً من قدومهم استصلحوا مئات الأفدنة، تحديداً منذ 1907 حتى عشرينات القرن الماضى، حتى إن الصور الفوتوغرافية التى التُقطت فى هذه الفترة أظهرت «القهمورى»، عمدة هذه القرية يقف إلى جانب «عبود باشا» فى افتتاح مصنع سكر كوم أمبو سنة 1927، وهو ما يُعد مصدر فخر لى، إذ ساهم أهل قريتى فى دعم اقتصاد مصر الزراعى والصناعى فى وقت مبكر، لا سيما بزراعة قصب السكر الذى نشتهر به.. لذا فإننى أحاول دائماً اقتناص لحظات من حياتنا هناك فى معظم لوحاتى، مهتماً بإظهار عاداتهم وتقاليدهم وأفراحهم، ومعبراً عنهم، وعن انتظارهم الطويل وقدرتهم على التحمل، وأذكر أن معرضى الخاص الأول «ذاكرة القروى» سنة 1995 الذى أقيم بقصر ثقافة أسوان وجاء مواكباً لمؤتمر أنس الوجود الأدبى كان مخصصاً لرصد حياة القرية، وافتتحه حينها الكاتب الراحل جمال الغيطانى وأفرد له مساحة كبيرة للحديث عنه فى جريدة أخبار الأدب، ونشر لوحاته فى ملف مخصص للحديث عن أدباء أسوان.. وفى عام 2004 أقمت معرضاً خاصاً اسمه «بيوت الجبل» تناولت خلاله جماليات العمارة فى منطقة نجع الشديدة بأسوان. وقتها كان اللواء سمير يوسف محافظاً لأسوان، وطلب منى القيام بعمل تجميل وتأهيل لنفس المنطقة باستخدام لوحات المعرض، ومن ثم تحولت المنطقة لمزار سياحى.. وقد قضينا عام 2005 كاملاً فى هذا المشروع، وعمل معى فيه الفنان رجب سيد والفنان فيصل حسن حتى أنجزناه بالتعاون مع سكان المنطقة، وكنت فى وقت سابق أتممت عملى التسجيلى التوثيقى عن هذه المنطقة، واسم الفيلم أيضاً «بيوت الجبل»، الذى فاز لاحقاً بجائزة فى مهرجان الإعلام العربى سنة 2006.
■ كيف انعكس شغفك بالفن التشكيلى على أعمالك التليفزيونية؟
- بدأنا فى 1997 فى عمل برنامج خُصِّص للأطفال باسم «شخابيط»، وكان متميزاً فاخترنا الرسم على الأسفلت بالألوان الطباشيرية، واستمر لأكثر من سبع سنوات، اكتشفت من خلاله أن الأطفال بداخلهم طاقة إبداعية وتعبيرية فطرية لا تحتاج إلى توجيه، وإنما تحتاج إلى تشجيع من المدرسة والأسرة، مع عدم التدخل فى طريقة تناول الطفل لموضوعاته التى يختارها. كنا، كأسرة برنامج، نحرص على عدم تدخل أهالى الأطفال الذين يصطحبونهم. كان إنتاج الأطفال مبهراً، خصوصاً أن الألوان الطباشيرية سهلة الاستخدام، وتفاعل الأطفال مع البرنامج لدرجة قيام رحلات من المدارس للمشاركة. استمر البرنامج بعد ذلك لمدة 17 عاماً، حيث اضطررنا إلى تغيير طبيعته من الرسم على الأسفلت إلى الرسم على الورق تجنباً لمخاطر الأسفلت وخوفاً على الأطفال الذين كانوا يخرجون إلى الشارع بمفردهم للرسم.
جمال الغيطانى شهد بأن «القناة الثامنة» القناة الحقيقية واستنكر محتوى قنوات رئيسية لا يعبر عن هويتنا
■ هل يمكنك أن تعطى لنا لمحة للتطور الذى طرأ على رؤيتك للجنوب؟
- فى البداية قدَّمت «ذاكرة القروى» كما ذكرت، لأوثق ما أثَّر فى وجدانى خلال طفولتى من مشاهد حياتية تخص زمناً عشت فيه، وكأننى أحاول القبض على ما تبقى منها فى ذاكرتى. وبالفعل ذهب الآن إلى غير رجعة العديد من العادات التى كانت فى الطفولة وتناولتها فى أول معارضى فى 1993. أما آخر معارضى فكان عن ثلاث مفردات تخص الجنوبى، وهى الجلباب والعصا والعمامة، والتى قد يبدو للبعض أنها مفردات تراثية تقاوم الاندثار، لكن الواقع يُكذِّب ذلك تماماً، فهى حالة ثراثية معاصرة وممتدة باستخدامها الفعلى واليومى، وبشكل واسع فى صعيد مصر جنوبه وشماله. لقد كنت وما زلت الجنوبى الذى فُتحت عيناه على أب يرتدى جلبابه وعمامته ومعه عصاه التى لا تفارق يده. عمامة بلون أبيض ناصع لم يتغير أبداً، وعصا هى جزء من جسده لا تفارقه إلا عند النوم، يحملها أينما ذهب مرتدياً جلبابه التاريخى. لتصبح متلازمة «جلباب وعِمة وعصا» متلازمة معاصرة تماماً مثل «الشورت والفانلة والكاب» التى تلازم السائح ونعرفه بها.
وبالطبع العصا والعمامة لهما امتداد تاريخى فى مصر القديمة، فتاج المصرى القديم هو عمامة الجنوبى وتاجه الذى لا يفارقه إلا فى ساعات النوم. وهى فى المنام تاج الرجل ووجاهته وقوة ولايته. ويُعد من الفضيحة إنزال عمامة الرجل أو خطفها، وذلك بمثابة عزل الرجل عن ولايته وذهاب وجاهته، حيث يؤكد عمر بن الخطاب «العمائم تيجان العرب»، وهى رمز الشرف والعفة، فإذا أهين الرجل ألقى بعمامته على الأرض.
الوجدان فى الجنوب يميل إلى التصوف.. ومشايخه أصحاب الكلمة العليا
■ كيف ترى التصوف من خلال معايشتك ونشأتك هناك؟
- كان جدى لأمى متصوفاً كبيراً، عاش ما يزيد على المائة عام، وكان رجلاً زاهداً فى الحياة. عمل فى البداية نساجاً وأقام ساحة صغيرة بجوار بيته وخصصها للذكر والمديح، وأذكر أننا، حين كنا أطفالاً، كنا نطوف بالموالد مع المريدين من أبناء الطرق الصوفية المختلفة، وهى كثيرة فى بلادنا، ورغم اختلافها إلا أنه لا يوجد شقاق أو اختلاف بينها، حيث تتوحد لغاية واحدة وهى الذكر وحب الله ورسوله والأولياء الصالحين، وهذا أضفى مسحة من النعومة والرقة على القلوب، وجعلها رافضة للتشدد والعنف، فلا تجد الجماعات المتطرفة لهم سبيلاً أبداً.
ويكفى أن تعرف أن الأعياد والمناسبات هناك لا تقتصر على المعروف منها فقط، مثل عيد الفطر وعيد الأضحى والمولد النبوى الشريف، بل تمتد لتشمل أيام الموالد للأولياء المعروفين مثل أبوالحسن الشاذلى وأبوالحجاج الأقصرى وعبدالرحيم القنائى، فتلك أعياد أخرى لأهل الجنوب يحرصون عليها أشد الحرص، وهو ما أعطى حصانة للنشء هناك ضد المتشددين من السلفيين والإخوان، وجعل المجتمع عصياً عليهم فلا يستطيعون اختراقه، فابتعد التطرف عنهم تماماً.
وللعلم فإن الوجدان المصرى فى جنوب مصر يميل إلى التصوف، كيف لا وهو الملاذ الآمن الذى يلجأ إليه الناس فى جُل أزماتهم؟! فأقطاب هذا التوجه موجودون بجانب الناس دائماً يسعون لحل مشكلاتهم ومساعدتهم فى شتى مناحى الحياة، لا سيما فى عظائم المسائل والأمور، مثل قضية الثأر التى يلعب المتصوفة فيها دوراً كبيراً وينجحون دائماً فى حلها بأقل الخسائر الممكنة، إلى جانب المشكلات القبلية الكبيرة التى يقف الأفراد والأسر عاجزين أمامها، وأذكر أنه طوال فترة عملنا فى الإعلام الإقليمى كانت الكاميرا تغطى وتوثق المصالحات الثأرية وغيرها، والتى كان يقودها عدد كبير من الشيوخ والأسماء التى تنتمى للتصوف، مثل الأمير فضل الدندراوى وخلفائه والسادة الأدارسة والشيخ تقادم والشيخ أحمد أبوالحسن ومريديه وأتباعه والعمدة محمود القمهورى والعمدة الشارونى وكل خلفائهم من مريدى الطرق الصوفية.. إذن هم موجودون فى حل معضلات كبيرة تجعل منهم أصحاب الكلمة العليا فى صعيد مصر.
■ حدِّثنا أكثر عن الشخصية المصرية فى جنوب مصر وعن التحديات التى تواجهها.
- الشخصية المصرية تشكلت من خلال التنوع الثقافى والمعرفى وما اكتسبته من خبرات متراكمة فى الحياة، وأعتقد أن مصر، كمكان جغرافى، لها طبيعة مختلفة ومغايرة، ما يُحدث تأثيراً كبيراً على أبنائها، وعلى الغزاة أيضاً فلا يستطيعون الفرار من قبضتها، لا سيما فى جنوب مصر، فلك أن تتخيل أن أى مهاجر يقضى عشر سنوات مثلاً فيثبت كفاءة كبيرة فى الزراعة والاندماج فى المجتمع المصرى ويكون فرداً منه وتابعاً له، ويتعلم اللهجة المصرية كأى مواطن مصرى، خاصة فى الجنوب، فيتحدث مثل الأهل هناك دون صعوبة، فيصير مواطناً مصرياً قلباً وقالباً، حتى لو كان من قبل شخصية معادية، ذلك هو ما يسمى بقانون التمصر.
فكيف يستطيع أحد الفرار من قبضة هذا المكان بما يحمله من مفاهيم؟.. فمكوناته ليست فقط تضاريس ومرتفعات وجبالاً وسهولاً وصحراء وأرضاً زراعية، إذ تمتد لتصل إلى الدين والفن والعلم، وهو حد الكمال بالنسبة لمن يتمعَّن، فعظمة الشخصية المصرية تشكلت منذ القدم فى عمق مصر القديمة فى ثنايا نيلها العظيم وهذا الطمى الغالى، فساهم هذا فى إيجاد هذه المرونة والانسيابية التى لا تخلو من صلابة مثل الأحجار التى تغير مجرى النهر العظيم.
■ كيف ترى المستقبل المنظور؟
- فى الأمس القريب كنا على موعد مع افتتاح المتحف المصرى الكبير، ذلك الصرح العملاق الذى يقف الآن شامخاً وسط منجزات العالم الجديدة، ذلك الذى يحوى بين جوانبه دلائل العظمة والقدرة والتقدم وقوة ومكانة المصرى بين حضارات العالم، مجرد الإعلان عن افتتاحه والكشف عنه بمثابة إعجاز وقدرة عظيمة نثبت بها للعالم بأسره أننا على الطريق السليم، مهما شكَّك المتشائمون والكارهون لنا.
وبالنسبة لى يُذكرنى هذا الحدث بافتتاح متحف النوبة فى أسوان سنة 1996 رغم الفوارق طبعاً، إلا أن متحف النوبة فى وقتها كان حدثاً مميزاً أيضاً، وتحضرنى تفاصيله، لأننا تابعنا افتتاحة بكل التفاصيل، بل بدأنا العد التنازلى لذلك قبل الموعد بمائة يوم، مع الفارق طبعاً. وهنا لا أُجرى مقارنة، فالمتحف الكبير لا يقارن بأى متحف على وجه الأرض لأنه فخرنا، وأتخيل مثلاً أنه لو أقيم هذا المتحف منذ 50 عاماً، بالطبع كان هذا سيترك تأثيراً كبيراً، لأن مصر فاتها الكثير من الاستفادة بآثارها، وبهذا الصرح تحاول استعادة ما فاتها. أتمنى فقط أن يكون التعليم فى مصر مواكباً لهذا فى المناهج الدراسية، وأن يصبح هناك اهتمام كبير بالحدث وتأثيره، وتعريف الأبناء والأجيال بأهميته، كما أتمنى أن أرى عملاً سينمائياً يتناول مصرنا العظيمة فى أوقات مجدها، فما المشكلة لو نفذنا عملاً يتناول حياة الملك توت عنخ آمون؟.. يجب أن نفكر فى هذا بشكل جدى.
■ حصلت على الكثير من الجوائز والتكريمات، حدِّثنى عن الأقرب لقلبك!!
- أهم تكريم حصلت عليه من خارج التليفزيون، وكان بسبب برنامجى «إبداعات جنوبية»، فقد تم تكريمى من وزارة الثقافة المصرية خلال مؤتمر أدباء مصر فى الأقاليم بالإسكندرية سنة 2009 بحضور فاروق حسنى، وزير الثقافة آنذاك، لدورى الإعلامى فى نشر إبداعات أدباء وشعراء الجنوب، وذلك بعد 12 عاماً من عمر البرنامج الذى استمر بعد ذلك حتى عام 2020، أى أنه استمر لمدة 23 عاماً، وكان يهتم باستضافة أدباء صعيد مصر والحديث معهم وعن أعمالهم كأدباء ومبدعين، وكان بمثابة نافذة أسبوعية لهم، تتناول فى كل حلقة مبدعاً له مشروع مميز.
■ لك فيلم تسجيلى قصير يتخذ من جداريات الحج فى جنوب مصر موضوعاً، حدِّثنا عنه!!
- هو يُعتبر بمثابة أول توثيق لهذا الفن، ومن خلاله استطعت الوصول إلى أعمال الفنان الفطرى «عيد السلواوى»، التى تمتد من ستينات القرن الماضى حتى الآن، وهو يمارس ويعمل بهذا الفن الذى يعتبره مهنة حتى الآن رغم أن عمره تجاوز 75 عاماً، إلا أنه ما زال يواصل شغفه فيه، وقد صوَّرت ونفذت هذا الفيلم فى عام 2000، وفاز بجائزة مهرجان الإذاعة والتليفزيون عام 2006.
«العصا» فى الحضارة المصرية القديمة
كانت لإظهار صلابة الملك «نارمر» فى لوحة توحيد القطرين، حتى ظهورها فى فن التحطيب بنقوش معبد هابو بالأقصر، ولم ينقطع استخدامها حتى العصر الحديث فى صعيد مصر، لذا كان ظهورها فى أعمالى بشكل مستمر وكثيف له ما يبرره، بل ضرورة لتمرير مفاهيم معاصرة وفلسفية، مثل مفهوم الانتظار -مثلاً- الذى يظهر من خلال تشبث الرجل بالعصا كما تتشبث الروح بالجسد فتكون العصا جزءاً من جسده، تعبر عن حالة القلق والتوتر الذى ينتاب الجنوبى فى وضع الانتظار. ويؤكد ذلك الشاعر فتحى عبدالسميع فى مقاله بعنوان «عصا المريخى» عندما يتساءل: مَن يستند على الآخر فى لوحات على المريخى «الرجل أم العصا»؟ ليؤكد أن «الرجل هو العصا والعصا هى الرجل».
