الكشري قوة ناعمة مصرية

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

المصريون شعب بسيط يفرح لأقل الأسباب، ولما أعلنت اليونسكو اعتبار الكشري ضمن التراث غير المادي، فرح الغلابة واعتبروا ذلك تأكيدا على حسن اختيارهم لوجبتهم الشعبية التي تتراص مع الفول والطعمية. بل إن الدول ذاتها اعترفت بالكشري وصارت تقدمه لضيوفها المميزين، مثل الرئيس الفرنسي وعدد كبير من وزراء الخارجية والسفراء.

صارت دبلوماسية الطعام أمرا واقعا، وأصبحت جزء من القوة الناعمة للدول. وهناك دول لا تملك «مطبخا» ولا تتميز بأنواع طعام معينة، فإنها تسرق أطعمة جيرانها أو خصومها وتنسبها لنفسها بتكثيف دعائي. حدث ذلك مع الملوخية المصرية التي انقض عليها كيان الاحتلال الإسرائيلي وصنفها طعاما خاصا به، لذلك علينا أن نهتم بهذه الأمور وأن نحرص على تسجيل تراثنا في كل مجال ومنها الطعام المميز لمجتمعنا.

أذكر أنني عند دراستي الإتيكيت والبروتوكول أن عرفنا أن ملكة إنجلترا الراحلة أصابتها الغيرة من سيطرة المطبخ الفرنسي على البروتوكولات الدولية الرسمية وله في ذلك تقاليد عريقة وفقررت بالاتفاق مع الأمم المتحدة أن تنشئ منظمة مقرها لندن تختص بالإتيكيت، تضم 18 عضوا من مناطق جغرافية في العالم تكون عضويتهم مدى الحياة، يجتمعون ويناقشون تطوير هذه الأمر أو ذلك في مجال البروتوكول والإتيكيت. وكانت الملكة جريئة في طرحها اقتراحات تخفف من غلواء التفاصيل على المائدة مراعاة لضيوف من دول لا تتمسك كثيرا بقواعد الإتيكيت والبروتوكول.

أعلنت اليونسكو منذ أيام قليلة إدراج الكشري في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، ليصبح بذلك العنصر الحادي عشر الذي تسجله مصر في هذه القائمة، وهو أول طبق طعام مصري يدرج بهذا الشكل.

يجسد القرار اعترافا بطبق شعبي عادي، بجانب أنه احتفاء بالتقاليد اليومية والتاريخ الاجتماعي للمصريين من أزقة مدنها وقراها إلى أكشاك الشوارع، مرورا بالمنازل والمجالس.

طبق الكشري مزيج من الأرز والعدس والمكرونة والبصل المقلي وصلصة الطماطم، يجتمع ليكون وجبة ذات نكهة فريدة وقيمة غذائية عالية، عرفه المصريون منذ عقود طويلة وتضاربت حول نشأته الحكايات.

قبل إدراج الكشري، كان لدى مصر عناصر على قوائم التراث غير المادي، لكن لم يكن أي منها يتعلق بطعام. أمثلة على هذه العناصر تشمل الحناء والطقوس والممارسات الاجتماعية المرتبطة بها، آلة الغناء «السمسمية»، السيرة الهلالية، التحطيب، الخط العربي، رحلة العائلة المقدسة، ممارسات زراعة النخيل.

لم يعد الطعام مجرد وجبة تقدم لضيف، صار قوة ناعمة تروج لصورة الدولة وثقافتها في العالم. دول كثيرة تستفيد من دبلوماسية الطعام في تعزيز علاقاتها الدولية وجذب السياح واستثمارات الغذاء والثقافة. كوريا الجنوبية برزت عالميا عبر شهرة الكيمتشي وغيرها من وجباتها الشعبية. إيطاليا تم الاعتراف مؤخرا بكامل مطبخها الوطني كتراث غير مادي، وهو مثال قوي على كيف تعزز دولة صورة علامتها التجارية من خلال غذائها. تايلاند واليابان والمكسيك تمتلك برامج رسمية للترويج لأطباقها كوسيلة لتقوية العلاقات الثقافية.

دبلوماسية الطعام هي استخدام الغذاء كوسيلة لتعزيز التفاهم بين الثقافات وتحسين العلاقات الدولية. عبر تبادل الأطباق في المؤتمرات والاحتفالات، وفي وجبات الدولة الرسمية، حيث يمكن للطعام أن يقلل التوترات ويعزز صورة البلد في الخارج.

الطعام يمكنه بجانب عناصر أخرى عديدة تبديل سياسات كبرى، كما يسهم في بناء جسور ثقافية وعلاقات إيجابية بين شعوب ودول، وقد يستخدم في الدبلوماسية العامة أو في الترويج للسياحة والتبادل الثقافي.

قرار اليونسكو بإدراج الكشري في التراث غير المادي تكريم لطبق شعبي، واعتراف بأهمية الغذاء في الثقافة والهوية الوطنية. الكشري يمثل العادات والممارسات اليومية والجذور التاريخية لمجتمع كامل، ويعكس كيف يمكن لـطبق شعبي بسيط أن يتحول إلى قوة ناعمة تسهم في تعزيز صورة وطن على الساحة الدولية.