علاء عابد يكتب: جريمة ضد المجتمع.. التحرش

كاتب صحفي

لم تكن ظاهرة التحرش يوماً مجرد سلوك منحرف عابر، بل هي جريمة أخلاقية واجتماعية تهز بنية المجتمع وتهدد شعور الناس بالأمان والاحترام المتبادل، ورغم أن بعض الكتًّاب فى بدايات القرن العشرين، مثل فكرى أباظة عام 1930م نبهوا مبكراً إلى بوادر انحراف السلوك العام، فإن المجتمع المصرى بطبيعته ظل دائماً مجتمعاً يرفض الاعتداء على الكرامة الإنسانية، ويعاقب اجتماعياً كل من يتعدي على الآخرين، خاصة النساء فى الشارع أو فى أى مكان عام.

ولطالما اعتُبر احترام المرأة جزءاً أصيلاً من الأخلاق العامة فى مصر، فالروح الشعبية التى نعرفها -من الحارة إلى القرية إلى المدينة- كانت تقف بوضوح ضد أى تصرف مستفز أو غير محترم، وكانت كلمة واحدة من امرأة تتعرض لمضايقة كافية ليتدخل المارة، بل إنهم يطردون المتحرش من المكان، فى مشهد يعكس حساسية المجتمع تجاه أى شكل من أشكال الاعتداء.

تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن ما يقرب من 1 من كل 3 نساء (حوالى 840 مليون سيدة) فى العالم قد عانين من عنف جسدى و/أو جنسى فى حياتهن، وهو رقم شامل لأشكال العنف المختلفة التى تتراوح بين الشريك وغير الشريك، ولا يقتصر فقط على التحرش وحده، وأن حوالى 8% من النساء (حوالى 263 مليوناً) أبلغن عن تعرضهن لعنف جنسى من شخص غير الشريك مرة واحدة على الأقل فى حياتهن، وهو مؤشر على أن التحرش والعنف فى الفضاء العام منتشر عالمياً. فى مصر، قام مجلس النواب فى عام 2021 بإصدار قانون يغلظ عقوبة «التحرش» الجنسى ويحولها من جنحة إلى جناية، بحيث لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز أربع سنوات، مع غرامة أقلها 100 ألف جنيه مصرى ولا تزيد على 200 ألف جنيه مصرى، لمن يتعرض للغير، سواء كان التحرش لفظياً أو جسدياً أو حتى عبر تلميحات وإيحاءات جنسية أو إباحية، وإدراج مواقع التواصل الاجتماعى ضمن وسائل التحرش.

وعلى المستوى المؤسسى، أتاح المجلس القومى للمرأة خدمات للتواصل وتلقى الشكاوى عبر هاتف الخط الساخن (15115) وأرقام واتساب مخصصة لتقديم المساندة القانونية والاجتماعية للضحايا، وهو جزء من منظومة الدعم والحماية التى يعمل عليها المجلس بالتعاون مع الجهات المختصة.

وللتعامل مع هذه الظاهرة بفاعلية، يجب تبنى مجموعة من التدابير المتكاملة تشمل:

- إدراج برامج تعليمية فى المدارس لتعزيز قيم الاحترام والمساواة والتعامل الأخلاقى، وتدريب الطلاب على احترام الحدود الشخصية وكيفية التعامل مع الآخرين بكرامة.

- تسهيل إجراءات التبليغ والقضاء على ظواهر منع الضحايا من الإبلاغ، وتدريب منفذى القانون على التعامل الحساس مع قضايا التحرش وتوفير إجراءات سريعة وعادلة.

- حملات إعلامية متواصلة عبر التليفزيون ووسائل التواصل الاجتماعى لتغيير الصور النمطية والتصدى للصور التى تُبرر السلوكيات المنحرفة، مع إشراك رجال المجتمع فى هذه الحملات ليكونوا شركاء فى التصدى للظاهرة، وليسوا مجرد مراقبين.

- إنشاء مراكز دعم متخصصة لتقديم المشورة النفسية والقانونية للضحايا، وتوفير خطوط ساخنة للمساعدة على مدار الساعة.

ما أقلقنى بشدة وأزعجنى ما شهدناه مؤخراً من تزايد ملحوظ فى البلاغات المتعلقة بحوادث التحرش بالأطفال فى بعض المدارس، ورغم أن جزءاً كبيراً من هذا الارتفاع يعود لزيادة الوعى وشجاعة الأسر فى الإبلاغ، فإن الأمر يكشف أيضاً عن واقع مقلق يستدعى مواجهة جادة، فالطفل الذى يتعرض لأى نوع من الانتهاك يصبح أكثر عرضة لاضطرابات نفسية واجتماعية طويلة الأمد، ويحتاج إلى دعم متخصص لحمايته واستعادة ثقته.

وانتشار هذه الظاهرة على مستوى العالم -وليس فى دولة بعينها- يعد من أخطر المؤشرات التى تشير إلى تآكل منظومة الحماية الأخلاقية والاجتماعية، ويجعل من واجب المؤسسات والجهات المعنية تطوير آليات وقاية فعالة، وتشديد الرقابة، وتوسيع برامج التوعية للأسر والمدارس.

يعد التحرش بالأطفال من أخطر أشكال هذه الجريمة على الإطلاق، لأنه لا يُصيب ضحية قاصرة فحسب، بل يعتدى على جذر الإنسان قبل أن يكتمل نموه النفسى والعاطفى، فالطفل الذى يتعرض لأى شكل من أشكال التحرش يفقد إحساسه الطبيعى بالأمان، ويكبر وهو محمََّل بخبرات قاسية لا يستطيع فهمها ولا التعبير عنها. هذه الجريمة لا تُهدد فرداً واحداً، بل تُهدد مستقبل مجتمع كامل، لأنها تسرق البراءة وتكسر الثقة وتخلق جروحاً طويلة الأمد قد تتسلل إلى كل مراحل الحياة اللاحقة إن لم يُقدم الدعم والرعاية بشكل سليم.

«التحرش» ليس مشكلة خاصة بجيل أو ثقافة واحدة، لكنه ينعكس على كرامة المجتمع بأكمله، ويعد رفض المجتمع المتواصل لهذا السلوك، وتكامل الأدوار القانونية والتربوية والثقافية، طريقاً لتغيير الواقع نحو بيئة أكثر أماناً واحتراماً فى مصر وكل العالم.