الأزهر يحيي ذكرى الشيخ محمود شلتوت.. من التدريس في الإسكندرية إلى قمة المشيخة

كتب: أحمد البهنساوى

الأزهر يحيي ذكرى الشيخ محمود شلتوت.. من التدريس في الإسكندرية إلى قمة المشيخة

الأزهر يحيي ذكرى الشيخ محمود شلتوت.. من التدريس في الإسكندرية إلى قمة المشيخة

أحيا الأزهر الشريف ذكرى رحيل الشيخ محمود شلتوت التي تحل في مثل هذا اليوم إذ توفي يوم 13 ديسمبر من العام 1963، بعد مرضه الذي استدعى تدخلا جراحيا ناجحا، واستبشر أحبابه وطلابه وأصدقاؤه خيرًا، «ولكنها كانت خفقة السراج وصحوة الموت، فخرجت روحه إلى بارئها في مساء ليلة الجمعة (ليلة الإسراء والمعراج)، وأدَّى المصلون عليه صلاة الجنازة في السابع والعشرين من شهر رجب سنة 1383هـ الموافق 13 من ديسمبر سنة 1963م» بحسب ما ذكره الأزهر عبر بوابته الإليكترونية.

ذكرى وفاة الشيخ محمود شلتوت

واستعرض الأزهر الشريف جانبا من سيرة ومسيرة الشيخ محمود محمد شلتوت شيخ الأزهر الراحل، حيث ولد في 6 من شوال 1310هـ / 23 أبريل1892م في منية بني منصور من أعمال مركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة، وحفظ القرآن الكريم في قريته منذ الصغر، ثم التحق بمعهد الإسكندرية الديني سنة 1906م، وحصل على المركز الأول في جميع مراحل الدراسة، ونال شهادة العَالِمية سنة 1916م، وكان أول الناجحين فيها، كما عُيِّن الشيخ محمود شلتوت مُدرِّسًا بمعهد الإسكندرية الدِّيني في4 يناير سنة 1919م، وفي هذا العام قامت الثورة الشعبيَّة المصريَّة ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر بزعامة الزعيم سعد زغلول، وقام الشيخ محمود شلتوت بواجبه الديني والوطني، وشارك فيها بقلمه ولسانه وجرأته المعهودة فيه.

فصله من الأزهر واشتغاله بالمحاماة

وسرد الأزهر الشريف قصة فصل الشيخ محمود شلتوت من الأزهر واشتغاله بالمحاماة قبل أن يعود إلى المشيخة مرة أخرى ليتدرج في العمل بها حتى وصل إلى قمتها شيخا للأزهر، وبدأت القصة عندما عُيِّن الإمام الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخًا للأزهر رأى أن ينتفع بالشيخ الإمام محمود شلتوت نظرًا لتوافر المواهب الفذة فيه، وثقافته الواسعة، وحبه التجديد والإصلاح، فنقله إلى القاهرة مُدَرِّسًا بالقسم العالي، وكان يرأسه في وقتها الشيخ الإمام عبد المجيد سليم، الذي تولى مشيخة الأزهر بعد ذلك، وكان الشيخ الإمام محمود شلتوت قد كتب عدة مقالات في جريدة السياسة اليوميَّة، والأهرام، والمقطم؛ تأييدًا لما دعا إليه الشيخ المراغي، وقد كان يدعو إلى الأخذ بالمبادئ التي ذكرها الإمام الشيخ المراغي في مذكرته المعروفة لإصلاح الأزهر.

وتابع الأزهر: ولكنه في ذلك التوقيت كان هناك من بين رجال الأزهر من يقاوم هذه الحركة الإصلاحيَّة، وكذلك كان الملك لا يرتاح إلى هذه الحركة، فقامت العقبات في طريقها، فاستقال الشيخ الإمام المراغي على الرغم من مكانته العلميَّة بين المستنيرين من علماء الأزهر وطلابه المعروفين، وتولى المشيخة الإمام الظواهري، وكان من رجال الإصلاح، ولكنه كان يرى التأني في الأمر ومراعاة الظروف حتى يستقر الوضع، ويمكن التفاهم مع ولاة الأمر في تنفيذ خطوات الإصلاح، وقابله كثير من العلماء والطلبة بثورة عاتية، فقابل ثورتهم بالشدة والعنف، ففصل الشيخ محمود محمد شلتوت من منصبه، كما فصل عشرات من صفوة علماء الأزهر ومشايخه الذين كانوا في طليعة المصلحين؛ لأنَّه نظر إليهم بوصفهم من مؤيدي الشيخ المراغي، وممن يناصبونه العداء.

وبعد فصله من الأزهر الشريف عمل الشيخ محمود شلتوت بالمحاماة أمام المحاكم الشرعيَّة، وكأنَّ الله هيأ له ذلك؛ ليدرس أحوال الأسرة المصريَّة دراسة ميدانيَّة، فيرى مسائل الزواج والطلاق والميراث والنفقة على طبيعتها الحيَّة بين المتخاصمين؛ وليراجع ما كتبه الفقهاء مراجعة من ينشد استقرار الأسرة الإسلاميَّة في ضوء التشريع الصحيح، ثم انقضت أزمة الباحث المجتهد، وفي شهر فبراير من سنة 1935م أعيد إلى عمله بالأزهر الشريف مع بعض المفصولين، فعُيِّن مُدَرِّسًا بكليَّة الشريعة، واختار أن يدرس مادة جديدة لم تكن مقررة من قبل، هي مادة الفقه المقارن، وعُيِّن وكيلًا لكليَّة الشريعة في أبريل1937م، ثم عُيِّن مفتشًا بالإدارة العامة بالجامع الأزهر في رجب سبتمبر1938م،
وفي عام 1939م عُيِّنَ الشيخ محمود شلتوت مفتشًا بالمعاهد الدينيَّة.

عضوية هيئة كبار العلماء

في عام 1941م تقدم الشيخ محمود شلتوت برسالته (المسئوليَّة المدنيَّة والجنائيَّة في الشريعة الإسلاميَّة)، ففاز بها بإجماع الأعضاء، وصدر الأمر الملكي رقم (24) لسنة 1941م بتعيين فضيلة الشيخ محمود شلتوت عضوًا بهيئة كبار العلماء، واقترح إنشاء مكتب علمي لمعرفة ما يهاجم به الدين الإسلامي والرد عليه، وبحث المعاملات التي جدت وتجد في هذا الأمر، ووضع مؤلفًا لبيان ما تحتوي عليه كتب التفسير المتداولة من الإسرائيليات، وتنقية كتب الدين من البدع والخرافات، وكانت هذه اللجنة إرهاصًا لإنشاء مجمع البحوث الإسلاميَّة فيما بعد، وكان للشيخ محمود شلتوت الفضل في اقتراحه ومتابعة المطالبة بإنشائه حتى تمَّ له النجاح، وظهر المجمع إلى الوجود في عهد مشيخته ولا يزال يؤدي دوره العالمي الكبير إلى الآن.

تعيين الشيخ شلتوت شيخا للأزهر

كما عين عضوًا عاملًا بمجمع فؤاد الأول للغة العربيَّة بناء على مرسوم الملك فاروق الصادر بتاريخ 11 سبتمبر 1946م، ثم عُيِّن مراقبًا عامًّا لمراقبة البحوث والثقافة الإسلاميَّة بالأزهر في سنة 1950م، ثم عُيِّنَ مستشارًا لمنظمة المؤتمر الإسلامي في سنة 1957م، ثم عُيِّنَ وكيلاً للأزهر والمعاهد الدينيَّة في 9 نوفمبر 1957م، وسكرتيرًا عامًّا للمؤتمر الإسلامي، وتُوِّجَ ذلك بتعيينه شيخًا للأزهر في13أكتوبر1958م، وفور توليه المنصب الكبير بدأ يركِّز جهوده لإنشاء مجمع البحوث الإسلاميَّة الذي كان يتطلَّع إلى إنشائه منذ فترة، وكان يرى فيه أنَّه الرابطة العلميَّة الرُّوحيَّة التي ستجمع المسلمين جميعًا، وتعمل على إزالة ما بينهم من خلافات أوجدها الاستعمار، ثم عُيِّنَ عضوًا في مجمع البحوث الإسلاميَّة في 31 يناير 1962م.

الشيخ محمود شلتوت

كان للشيخ محمود شلتوت عطاؤه العلمي، فتتلمذ له الكثير من طلبة العلم بحكم الأماكن التي عمل بها، ومن أشهر تلاميذه الشيخ محمد فوزي فضل الله، والدكتور محمد البهي، والدكتور محمد عبد الله ماضي، والشيخ محمد الغزالي، وممن تأثر به أيضًا الأستاذان أحمد العسال، وأحمد نصار.
أمَّا عن مؤلفات الشيخ محمود شلتوت، فقد تنوعت المؤلفات العلميَّة له؛ ومن ضمن هذه المؤلفات «فقه القرآن والسُّنة، مقارنة المذاهب، الفتاوى، القرآن والقتال، الإسلام والعلاقات الدوليَّة في السلم والحرب، الإسلام والوجود الدولي للمسلمين».

زيارة الشيخ شلتوت إلى غزة

ومن أهم القضايا الدينيَّة والوطنيَّة التي انشغل بها ربط مصر بالعالم الإسلامي كلِّه عن طريق إنشاء مجمع البحوث الإسلاميَّة، وإعادة النظر في المناهج التي تدرس بالأزهر، فضلا عن اهتمامه بالقضيَّة الفلسطينيَّة، حيث طلب الشيخ شلتوت من مدير مكتبه ترتيب زيارة خاصة له إلى غزة في أثناء مرضه الأخير، وكانت تحت الإدارة المصريَّة في ذلك الوقت؛ ليتفقد أحوال أهلها، وسافر بالفعل، وتجوّل في أنحاء القطاع بسيارة جيب، وسائرًا على قدمه، وعقب عودته من زيارة غزة، جاء وفد من أساتذة الجامعات الأمريكيَّة لزيارته في منزله، فارتفع صوت الشيخ شلتوت مدويًا وهو يقول لهم: «لقد زرت قطاع غزة، ورأيت الظلم مجسمًا، ورأيت المشردين في الفيافي والقفار، ورأيت الجياع والعرايا، ورأيت ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، إنها العنصرية الصهيونية التي أخرجتهم من ديارهم وجعلتهم كطائفة من الحيوانات.. أنتم العلماء والأساتذة.. بلّغوا حكومتكم ما قلته لكم عما رأيت من جياع ومشردين سُلبوا أوطانهم، وحُرموا حق الحياة الكريمة.. قولوا لبلدكم.. بلد الحرية.. حرام أن يظل هؤلاء على هذا الحال، والعدو سائر في غيّه بلا رادع ولا وازع من ضمير، وإني أدعوكم لنصرة المظلوم من عسف الظالم في فلسطين السليبة الحبيبة».