المنقرضون يعودون بالهندسة الوراثية

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

كانت 2025 سنة مليئة بالأحداث السياسية الكبيرة، وخاصة مع رئيس أمريكى يشغل العالم كل يوم بتحرك أو تصريح أو تدخل أو موقف، يجعل الكرة الأرضية تقف على أطراف أصابعها، لكن هناك حدثاً علمياً كبيراً افتُتحت به هذه السنة، وبالتحديد فى نهاية شهر يناير، وهو ولادة الذئب الرهيب المنقرض منذ أكثر من عشرة آلاف سنة، وعودته للحياة مرة أخرى بتقنية كريسبر التى تنتمى للهندسة الوراثية، مما يفتح الطريق أمام عودة المنقرضين، فمن الممكن أن نجد بعد سنوات ديناصوراً أو ماموثاً ينمو فى معمل أو فى حديقة حيوان!!
ما هى قصة الذئب الرهيب؟
الذئب الرهيب (Dire Wolf) هو نوع منقرض من الذئاب عاش فى الأمريكتين وانقرض قبل حوالى 10٫000 سنة. كان يشبه الذئب الرمادى الحالى، لكنه كان أكبر حجماً وأقوى. وقد اشتهر مؤخراً من خلال مسلسل «صراع العروش».
ما المقصود بـ«إعادة الذئب الرهيب»؟
هذا يعنى محاولة إحياء نوع منقرض عبر التلاعب الجينى. العلماء جمعوا حمضاً نووياً متحللاً من عظام الذئب الرهيب، وقاموا بتحليله. ثم قارنوه بالحمض النووى للذئب الحديث أو الكلب، بهدف إعادة بناء الحمض النووى للذئب الرهيب أو جزء منه، وهنا يأتى دور تقنية كريسبر، وهى أداة تحرير جينى تسمح للعلماء بـ«قص» و«لصق» أجزاء من الحمض النووى بدقة عالية جداً، تشبه إلى حد ما محرر نصوص للحمض النووى. فى هذه التجربة، استخدموا «كريسبر» لتعديل جينات فى خلايا ذئب أو كلب حديث، لإدخال جينات الذئب الرهيب فيها، على أمل إعادة صفاته القديمة، اعتبر العلماء تلك التجربة ثورة علمية فارقة، لأنها أولاً تمهد لإحياء أنواع منقرضة، وهذا كان خيالاً علمياً وأصبح قريباً من الواقع، ولأنها توضح مدى تطور أدوات التعديل الوراثى مثل كريسبر، لأنها قد تفيد مستقبلاً فى الحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض، أو حتى علاج أمراض وراثية عند البشر. كانت تلك التجربة مجالاً خصباً جديداً لنجاح نظرية التطور ودعم أدلتها بشكل غير مباشر، فنجاح العلماء فى مقارنة جينوم الذئب الرهيب بالذئب المعاصر يدل على وجود علاقة تطورية بينهما، والتجربة تؤكد أن الأنواع تتغير عبر الزمن من خلال الطفرات الجينية، وهو جوهر نظرية التطور.
أصبحت هناك قدرة على تتبع التغييرات الجينية عبر آلاف السنين، وهذا بحد ذاته دليل على التطور. أخذ العلماء الجين القديم للذئب الرهيب من بقايا عظام متحجرة وُجدت فى مواقع مختلفة فى أمريكا الشمالية، وخاصة فى حفرة القطران الشهيرة «La Brea Tar Pits» فى لوس أنجلوس، كاليفورنيا، وهى واحدة من أغنى مواقع الأحافير فى العالم. فى تلك الحفرة، تم العثور على آلاف الهياكل العظمية للذئاب الرهيبة، وحافظت طبقات القطران على العظام بشكل ممتاز، مما سمح باستخلاص حمض نووى (DNA) قديم منها، ورغم أن الحمض النووى كان متحللاً جزئياً بسبب الزمن، إلا أن العلماء استطاعوا استخدام تقنيات حديثة فى علم الجينوم القديم لإعادة بناء أجزاء كبيرة منه، ثم استخدام «كريسبر» لإدخال تلك الجينات فى خلايا حديثة. تم تنفيذ تجربة إعادة الذئب الرهيب باستخدام تقنية كريسبر بواسطة شركة التكنولوجيا الحيوية Colossal Biosciences، ومقرها فى دالاس، تكساس، الولايات المتحدة الأمريكية. تمت ولادة الذئاب المعدلة وراثياً فى أواخر عام 2024 وأوائل عام 2025، ويتم حالياً تربيتها فى محمية طبيعية آمنة تبلغ مساحتها 2000 فدان فى موقع غير مُعلن عنه داخل الولايات المتحدة.
تعمل «كولوسال بيوساينسز»، منذ عام 2021، على إحياء حيوانات الماموث، والدودو، والنمر التسمانى، لكنها لم تكشف سابقاً عن عملها فيما يخص الذئاب الرهيبة. أفاد بن لام، وهو المؤسس المشارك والرئيس التنفيذى لشركة «كولوسال بيوساينسز»، فى بيان صحفى: «هذه النقلة الكبيرة تُعتبر الأولى بين أمثلة عديدة ستُظهر أن تقنيتنا لإعادة الحيوانات المنقرضة ناجحة»، مضيفاً أنَّ «فريقنا أخذ الحمض النووى من سنٍّ عمره 13، 000 سنة، وجمجمة عمرها 72٫000 سنة، وأنتج ذئاباً رهيبة صحية»، باستخدام الحمض النووى القديم المستخلص من أحفورتين للذئب الرهيب. قال علماء فى شركة «كولوسال بيوساينسز» إنهم تمكنوا من تجميع جينومين عاليَى الجودة للذئب الرهيب Aenocyon Dirus أو مجموعتين كاملتين من المعلومات الجينية، قارنها الفريق مع جينومات الحيوانات الكلبية الحية مثل الذئاب، والكلاب البرية، والثعالب، حسب ما نقلت الـ«سى إن إن»، لتحديد المتغيرات الجينية التى تخص صفات الذئاب الرهيبة، مثل الفراء البيضاء والكثيفة، ثم استخدمت الشركة المعلومات الناتجة عن التحليل الجينى لتعديل خلايا الذئب الرمادى، حيث أجرت 20 تعديلاً فى 14 جيناً، قبل استنساخ أكثر خطوط الخلايا وعداً، ونقلها إلى بويضات الأمهات البديلات بهدف الحمل، وفق ما جاء فى البيان الصحفى، وأدت ثلاث حالات من الحمل إلى ولادة أول نوع أُعيد إلى الحياة، وأكدت «كولوسال بيوساينسز» لـCNN أنها استخدمت كلاباً منزلية، وتحديداً كلاب صيد كبيرة من سلالات مختلطة، كأمهات بديلات، وُلد جراء الذئب الرهيب الذكر فى الأول من أكتوبر 2024، بينما وُلد الجرو الأنثى فى 30 يناير 2025، ولتحقيق هدفها، ابتكرت الشركة أساساً، جينوماً هجيناً بواسطة تقنية كريسبر لقص بعض المتغيرات الجينية فى الذئب الرمادى واستبدالها بصفات مرتبطة بالذئب الرهيب، بحسب ما قاله لوف دالن، وهو أستاذ فى الجينوميات التطورية بمركز علم الجينوم القديم فى جامعة ستوكهولم، ومستشار شركة «كولوسال بيوساينسز»، وأوضح دالن: ليس سراً إذا قلنا إن هذا الجينوم يتكون بنسبة 99.9% من جينوم الذئب الرمادى، سيكون هناك جدل فى المجتمع العلمى حول عدد الجينات التى يجب تغييرها لتحويل الذئب الرمادى إلى ذئب رهيب، لكن هذا فى الواقع سؤال فلسفى.