هل تدفع إسرائيل الثمن؟

محمد صلاح

محمد صلاح

كاتب صحفي

تدور فى الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية مؤخراً أحاديث عن زيارة مقترحة قد يقوم بها رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو إلى مصر، وذلك فى توقيت إقليمى بالغ الحساسية، ما يمنح هذه الزيارة المحتملة دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولى، وتعكس حجم الضغوط التى تواجهها إسرائيل، وثقل الدور المصرى الذى لا يمكن تجاوزه، مهما تبدلت التحالفات أو تصاعدت الأزمات.
يأتى الحديث عن هذه الزيارة فى ظل غموض فى موقف المرحلة الثانية من اتفاق السلام فى قطاع غزة، وتزايد الانتقادات داخلياً وخارجياً لأداء الحكومة الإسرائيلية، ما يجعل القاهرة محطة أساسية لكل من يسعى إلى إدارة الأزمة أو احتواء تداعياتها، فمصر بما تمتلكه من علاقات متوازنة وخبرة طويلة فى هذا الملف، تُعد الطرف الأكثر قدرة على التحدث مع مختلف الأطراف دون أن تفقد بوصلتها السياسية أو ثوابتها.
من زاوية إسرائيلية، تعكس الزيارة المقترحة إدراكاً بالفشل الداخلى للحكومة الإسرائيلية، بعد تأكدها من أن المغامرات العسكرية وحدها لا تكفى، إضافة إلى فشل كافة محاولات التأثير على الموقف المصرى الثابت، وانعكاس ذلك على الجبهة الداخلية بتفجر الخلافات مع مختلف مكونات المجتمع، وبدأت الحكومة تفقد دعمها من قوى اليمين، إضافة لفشلها فى التعامل مع قوى الوسط واليسار، وهنا أدركت حكومة نتنياهو أن أى تحسن فى المواقف المختلفة لن يتحقق إلا عبر مصر، باعتبارها الدولة التى قادت حملة دولية واسعة لكشف زيف الادعاءات الإسرائيلية.
لكن الأهم فى هذا السياق أن القاهرة لا تتعامل مع الأمر بوصفه مجرد تواصل دبلوماسى، بل كفرصة لتثبيت وفرض الرؤية المصرية بوضوح، فمصر تؤكد فى كل التحركات والاتصالات، أن أى ترتيبات مستقبلية فى غزة لا يمكن أن تتم بمعزل عن ثوابتها، وفى مقدمتها الرفض القاطع لتهجير الفلسطينيين، أو فرض حلول أحادية تتجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى.
وتملك مصر فى هذا الإطار أدوات ضغط حقيقية، تجعل رؤيتها جزءاً لا يمكن تجاهله فى أى مسار سياسى قادم، بدءاً من موقعها الجغرافى وسيطرتها على معبر رفح، مروراً بثقلها السياسى والدبلوماسى، وصولاً إلى قدرتها على التأثير على أى ترتيبات تهدئة أو إعادة إعمار، وهو ما يمنح الموقف المصرى بعداً عملياً، يتجاوز البيانات إلى التأثير المباشر.
ولا يمكن فصل الحديث عن الزيارة المقترحة عن ملف الغاز الطبيعى وترتيبات الطاقة فى شرق المتوسط، حيث تمثل مصر حلقة الوصل الأساسية بين الإنتاج الإسرائيلى والأسواق العالمية عبر محطات التسييل المصرية، هذا الملف يمنح القاهرة ورقة قوة إضافية، لاسيما بعد نجاحها فى توفير عدة بدائل تجارية للغاز الإسرائيلى، ما جعل حصرية البنية التحتية المصرية تنتصر على تلاعب الحكومة الإسرائيلية، وتحولها بمهارة من ورقة فى معادلة الاستقرار الداخلى المصرى إلى ضغوط أمريكية عليهم للقبول بالشروط المصرية.
ولا يمكن تجاوز المشكلات الأمنية بين الجانبين، وما نتج عنها من زيادة التوتر على الحدود المشتركة بينهما نتيجة ترويج الإعلام الإسرائيلى لجملة من الأكاذيب تجاه مصر، حيث ترى مصر أن حل المشكلات الحدودية لن يتأتى بدون حل سياسى شامل لمختلف الأزمات التى أدت للتوتر.
إن الإصرار الإسرائيلى على هذه الزيارة، رغم إعلان عدد من الوسطاء عن عدم ترحيب مصر أو تحمس قيادتها السياسية لها، اعتراف ضمنى من الحكومة الأشرس فى تاريخ إسرائيل بالفشل، واليأس فى الوصول لأى من الأهداف المعلنة فى بداية الحرب، زيارة أشبه بتقبيل يد فشلت فى كسرها، لكن المؤكد أنها لن تكون زيارة مجانية، ويتحتم عليهم دفع ثمن باهظ جداً لتجسيدها، فهل هم مستعدون لدفع هذا الثمن؟!