صناعة السفن في البرلس.. إرث يبحر على ضفاف البوغاز منذ قرن ونصف
صناعة السفن في البرلس.. إرث يبحر على ضفاف البوغاز منذ قرن ونصف
- كفر الشيخ
- البرلس
- محافظة كفر الشيخ
- صناعة السفن
- البحر المتوسط
- بحيرة البرلس
- صناعة المراكب
- الصيد
- مهنة الصيد
- بوغاز البرلس
على حافة بوغاز البرلس في محافظة كفر الشيخ، حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط ببحيرة البرلس وتتصاعد رائحة الملح مختلطة بخشب المراكب وحديدها، يبدأ النهار بإيقاعٍ لا يشبه أي مكان آخر.
طَرقات المطارق، أزيز المناشير، شرر اللحام، وصوت الموج، تشكل معاً سيمفونية حرفة توارثتها الأجيال لأكثر من 150 عاماً.
هنا، في المنطقة التي يقال إنها تمتلك ربع أسطول مصر البحري، لا يبدأ الصغار علاقتهم بالحياة من مقاعد المدرسة، بل من قلب الورش، فالأقدام الصغيرة تتعلّم الثبات فوق الهياكل الحديدية قبل أن تعرف طريقها إلى الفصول.

10 ورش تنتج مراكب من 12 لـ32 مترا
في ورشةٍ واسعة مطلّة مباشرة على البوغاز، يتحرك عبدالرحمن القصّاص، 50 عاماً، فوق هيكل مركب ضخم، يوزّع نظراته بين العمال بثقة من اعتاد قراءة البحر ومعادن المراكب، يسرد تاريخ عمل عائلته في هذه الصناعة منذ أكثر من 120 عاماً: «البرلس تتميّز بصناعة كل أنواع السفن.. عندنا أكتر من 10 ورش بتنتج مراكب من 12 لـ32 متر، وكل مركب له تصميمه على حسب نوع الصيد».
يكشف «عبدالرحمن» أن أجر العامل اليومي يتراوح بين 800 و1200 جنيه وفقاً لمهارته، ويعبّر عن حلمه الأكبر المتمثل في إنشاء مدرسة رسمية لتعليم صناعة السفن: «لو اتعلمت صح.. الحرفة دي تفتح لك باب رزق كبير».
وفي البرلس، لا توجد مناهج مكتوبة لهندسة المراكب؛ فالصنعة تُلقَّن شفهياً.. تنتقل من الجد إلى الابن ثم الحفيد، الطفل الذي يُلمّع مسماراً اليوم قد يصبح كبير الصنايعية بعد عشر سنوات، حين يتقن أسرار «الزوايا» و«الوشوش» و«وصلة السر» التي تمنح المركب قدرته على مصارعة الرياح.

يتذكر محمد القصاص، 40 عاماً، مرحلة الخشب: «زمان كانت كل المراكب معمولة من الخشب.. بس الخشب مش مستدام، بعد كده اتجهنا للحديد عشان أقوى وأسهل في الصيانة، وبرضه لسه بنستخدم الخشب، بس مش زي الأول، غالباً في تصليح المراكب الخشب القديمة».
مشروع اقتصادي كامل
وصناعة مركب واحد قد تتحول إلى مشروع اقتصادي كامل، فتكلفة المركب الكبير قد تصل إلى 3 ملايين جنيه تبعاً للحجم ونوع الصيد، ويوضح «محمد» أن التكلفة لا تتوقف عند الحديد والعمالة، بل تمتد إلى تفاصيل دقيقة لا يلاحظها المارّ: «نوع اللحام، جودة الصاج، زاوية الميل، قوة الدفّة، والمحركات اللي تعيش سنين في مواجهة البحر».
رحلة بناء السفينة تبدأ بـ«الوسطانية»، وهي العمود الفقري للمركب، ثم تُقطّع الأعواد الحديدية وتُرص وتُثبَّت، قبل تغطيتها بألواح الصاج المُشكَّلة بدقة لتكوين البدن البحري، وبعد اكتمال الهيكل تأتي مراحل السنفرة والمعجون والدهان، ليولد المركب من قلب الحديد.

إبراهيم القصاص، 35 عاماً، يصفها كعملية إحياء: «بعد التشطيب، المركب يدخل البحر كأنه كائن حي»، مضيفاً أن كل مركب يحتاج إلى عناية فائقة فى كل تفاصيله، من ترتيب الأعمدة الحديدية إلى اللحام والتشطيب، حتى يتحوّل الحديد الصلب إلى بدن مرن يسبح بخفة على الأمواج، ويصبح جاهزاً لمهام الصيد أو الرحلات البحرية الطويلة.
ويشير «إبراهيم» إلى أن بعض المراكب تحتاج إلى ما يصل إلى 1000 طن من الحديد، خاصة مراكب الصيد العميق: «العمال هنا بيتعاملوا مع طن الحديد كأنه عجينة.. يقطّعوا ويعدّلوا ويلحموا لحد ما يبقى بدن مركب يجري على المية بخفة».
البرلس أشهر مدرسة لبناء السفن في الدلتا
وجود الورش على ضفاف البوغاز ليس مصادفة، كما يوضح محمد شرابي، شيخ الصيادين: «البوغاز هو نقطة الوصل بين البحر المتوسط وبحيرة البرلس.. ومع كثرة الصيادين ظهرت الورش لخدمتهم، ومع الوقت بقينا أشهر مدرسة لبناء السفن في الدلتا».
