ألمانيا لا تنهار
في عام 2024 احتلت ألمانيا المرتبة الثالثة عالميا من حيث حجم الاقتصاد (الناتج المحلي الإجمالي الاسمي)، تجاوز الاقتصاد الألماني الاقتصاد الياباني من حيث القيمة الاسمية للناتج المحلي الإجمالي، لتأتي ألمانيا بعد الولايات المتحدة والصين، بينما تراجعت اليابان إلى المرتبة الرابعة. كانت هذه المرة الأولى التي تتقدم فيها ألمانيا وتتراجع اليابان.
قال خبراء إن هذا التغير في الترتيب سببه الأساسي تباطؤ الاقتصاد الياباني وضعف قيمة الين الياباني مقابل الدولار، في حين حافظ الاقتصاد الألماني على حجمه الكبير رغم تباطؤ النمو داخله. لذلك فإن تقدم ألمانيا إلى المرتبة الثالثة لا يعكس بالضرورة قوة نمو استثنائية، بل نتيجة مقارنة نسبية بين اقتصادين يواجهان صعوبات مختلفة. كما أن هذا الترتيب يعتمد على الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، وليس على معيار تعادل القوة الشرائية؛ فوفق المعيار الأخير تبقى الصين في الصدارة بفارق أكبر، بينما تختلف مواقع الدول الصناعية الكبرى.
في الفترة الأخيرة تظهر المؤشرات ضعفا واضحا ونمو ضعيف أو تراجع في الاقتصاد الألماني. توقعات النمو لألمانيا في 2025 منخفضة جدا، تدور حول الصفر حسب تقديرات الاتحاد الأوروبي التي تتفق على نمو ضعيف بعد عامين من الانكماش. وهذا مؤشر على أن الاقتصاد الألماني يعاني سرعة منخفضة. هناك ارتفاع في حالات الإفلاس وضغط على الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتقارير حديثة توقعت طفرة في حالات شركات الإفلاس في 2025، ما يدل على تراكم مشاكل السيولة والربحية لدى كثير من الشركات، وهذا يضر بسوق العمل والإنتاج المحلي.
قطاع الصناعة التقليدية يتغير، قطاع السيارات والهندسة الذي كان العمود الفقري لصادرات ألمانيا يواجه تحديات تحول كهربائي، منافسة عالمية، وتدهور الطلب في بعض الأسواق. تأخر التحول الصناعي والابتكار في قطاعات محددة، الانتقال إلى المركبات الكهربائية، رقمنة خطوط الإنتاج، وإعادة توجيه سلاسل القيمة العالمية لم تستفد منها العديد من الشركات الألمانية بالسرعة المطلوبة. بجانب قضايا هيكلية داخلية، بيروقراطية، نقص استثمارات البنية التحتية والتقنيات الحديثة، وشيخوخة السكان التي تضغط على سوق العمل وتكاليف الرفاه.
مؤسسات بحثية ألمانية تحدثت عن بطء في تنفيذ مشروعات البنية التحتية والانتقال للطاقة الخضراء ما يبطئ التعافي. يضاف إليها توترات تجارية وسياسات خارجية، مثل تزايد الحواجز التجارية بما فيها إجراءات أمريكية وضعف الطلب على الصادرات، مما أدى إلى تأثير ملحوظ على اقتصاد يعتمد كثيرا على التجارة الخارجية. ولا ننسى صدمة الطاقة وسياسات ما بعد 2022 وقطع إمدادات الغاز الروسي وارتفاع تكاليف الطاقة وقد أديا إلى ضغط على الصناعات المكثفة الطاقة وهذا أثر كبير بصفة خاصة في 2022–2024 وما زالت آثاره ممتدة.
أما الآثار المتوقعة على أوروبا والعالم فهي، تباطؤ نمو أوروبا فألمانيا أكبر اقتصاد في القارة وضعفها ينعكس مباشرة على شركائها التجاريين وسلاسل الإمداد الصناعي داخل المنطقة. وتظهر توقعات النمو الأوروبية أثر هذا الانكماش أو الركود الألماني على معدل نمو المنطقة ، وعلى سلاسل التوريد والصناعات المتداخلة. قطاعات مثل السيارات والآلات والتكنولوجيا الصناعية تعتمد على الإنتاج الألماني. المشاكل في ألمانيا قد ترفع التكاليف وتتعطل مواعيد التسليم في السلاسل الأوروبية والعالمية. وسوف يؤثر ذلك على السياسة المالية والدفاعية في الاتحاد الأوروبي ، فضعف الاقتصاد يعني موارد أقل للصناديق المشتركة، وتأخر تنفيذ خطط الإنفاق الدفاعي أو البنى التحتية التي طرحت بعد أحداث 2022 ما يؤثر على قدرة الاتحاد على دعم سياسات أمنية خارجية طويلة الأمد.
إن اقتصاد ألماني أضعف يعني تقليص قدرة ألمانيا والاتحاد الأوروبي على التحمل المالي والسياسي للدعم طويل المدى لأوكرانيا، أي تمويل الأسلحة، المساعدات اقتصادية، فالعقوبات قاسية تكلف ألمانيا ودول أوروبية أخرى، خصوصا إذا ارتفعت الضغوط الداخلية مثل البطالة، وحالات الإفلاس. لكن من جهة أخرى، القرارات المتعلقة بالدفاع يتم التنسيق بشأنها على مستوى الاتحاد الأوروبي وليس ألمانيا وحدها، وقد تزيد بعض دول أوروبية من دورها. لكن في كل الأحوال فإن ضعف ألمانيا يقلل هامش المناورة الأوروبي لكنه لا يقطع الدعم نهائيا ، والنتيجة تعتمد على مواقف دول الاتحاد الأخرى ومدى استعداد الولايات المتحدة للانخراط.
لا شك أن ألمانيا قدمت في القرن العشرين واحدة من أبرز قصص النهوض الاقتصادي في التاريخ الحديث. فبعد دمار كامل في الحرب العالمية الثانية، استطاعت خلال عقدين فقط أن تتحول إلى قوة صناعية عالمية. هذا ما عرف لاحقا باسم المعجزة الاقتصادية الألمانية .لكن هل الوضع الحالي مشابه؟ وهل يمكن تكرار المعجزة؟
ألمانيا قادرة على إعادة هيكلة صناعتها والتكيف مع الاقتصاد الأخضر والحفاظ على وزنها الأوروبي، لكن النمو سيكون أبطأ والتكاليف الاجتماعية أعلى والنتائج أقل إيجابية من معجزة ما بعد الحرب. في كل الأحوال ألمانيا لا تنهار كليا، لكنها تواجه مرحلة ممتدة من الضعف الهيكلي والنمو البطيء. ما نراه هو امتداد لأعوام من تباطؤ النمو، ضغوط على الشركات خاصة الصغيرة والمتوسطة، وتحولات صناعية كبيرة لم يستجب لها بسرعة كافية.
النتيجة عملية تدهور نسبي لكل من الأداء الاقتصادي والقدرة التنافسية، لكنها ليست انهيارا يؤدي إلى فقدان مكانتها كأكبر اقتصاد أوروبي أو كقاطرة صناعية للقارة، على الأقل ليس حتى الآن وفق أحدث التقديرات الرسمية والمؤسساتية.