هل يرى المكفوفون في أحلامهم؟.. دراسات صادمة تكشف أسرار القشرة البصرية

كتب: أمنية سعيد

هل يرى المكفوفون في أحلامهم؟.. دراسات صادمة تكشف أسرار القشرة البصرية

هل يرى المكفوفون في أحلامهم؟.. دراسات صادمة تكشف أسرار القشرة البصرية

تمتلك أدمغة الأشخاص الذين ولدوا مكفوفين الباحات العصبية المسؤولة عن المعالجة البصرية، إلا أن صور الدماغ الحالية لا يمكنها تأكيد ما إذا كان هؤلاء الأشخاص يحلمون بصور بصرية أم لا، لكن الأمر يبدو ممكنا بالنسبة لفئة أخرى، إذ أظهرت دراسة أُجريت في عام 2014 أن الأشخاص الذين لم يولدوا مكفوفين، لكنهم فقدوا بصرهم في مرحلة لاحقة من حياتهم، أبلغوا عن تجارب بصرية واضحة في أحلامهم، ومن المرجح أن هذه الصور المستحضرة في الأحلام تعتمد بشكل كبير على الذكريات البصرية التي قاموا بتخزينها قبل فقدانهم البصر، لأنه كلما كان الشخص أصغر سنًا عند فقدانه بصره، وكلما طال زمن العمى الذي عاشه، قل احتمال احتفاظه بالتجارب البصرية في أحلامه.

فقدان الخبرة البصرية مع طول مدة العمى

وفي هذا السياق، صرّح موريس بيتيتو، عالم الأعصاب البصري في جامعة مونتريال والذي شارك في تأليف الدراسة، بأن الشخص الذي يفقد بصره في سن السابعة أو قبلها، ويظل أعمى مدة 20 عامًا، يفقد تقريبًا كل التجارب البصرية في أحلامه، وهذا يشير إلى أن الذاكرة البصرية المستندة إلى الخبرة الحياتية تتلاشى تدريجيا مع مرور السنوات الطويلة من فقدان البصر، بحسب ما ذكرت مجلة «I believe in Science».

ب

أما الأشخاص الذين وُلدوا فاقدي البصر كليا، أي المصابون بما يُعرف بالعمى الخِلْقي، فإن أحلامهم تميل إلى الاعتماد بشكل أساسي على الحواس الأخرى غير البصر، مثل حاسة السمع واللمس والشم والتذوق، وتشير معظم الدراسات العلمية التي أُجريت في هذا المجال إلى أن التجارب البصرية تكاد تكون غائبة كليا عن أحلام المكفوفين خلقيا، ومع ذلك، تبقى هذه الظاهرة مثارا للتساؤلات المستمرة في الأوساط العلمية.

ورغم النقص الواضح في الخبرة البصرية لديهم، وجدت إحدى الدراسات أنه عندما وُضعت أقطاب كهربائية على رؤوس أشخاص مكفوفين خلقيا في أثناء النوم، أظهرت أدمغتهم نشاطا في الباحات المرتبطة بالرؤية، وفي دراسة أحدث أجرتها روزنزويج وزملاؤها في عام 2023، تم تحليل 180 حلما لـ7 أشخاص ولدوا مكفوفين، ووجدت هذه الدراسة أنهم في بعض الأحيان يصفون مشاهد تشبه الرؤية البصرية في أحلامهم.

وتُعلّق هيلين فيتالي، عالمة الأعصاب الإدراكية في المعهد الإيطالي للتكنولوجيا، على هذه النتائج قائلةً: «ما نجده أكثر دهشة وإثارةً من مجرد احتمال أن المكفوفين خلقيا قد يحلمون بصور بصرية، هو أن الأحلام قد تتيح لهم اختبار تجارب لم يسبق لهم أن عاشوها فعلياً في اليقظة»، وهذا يفتح الباب أمام دور الأحلام كوسيلة لمحاكاة التجارب غير المتاحة.

غير أن مجرد وجود نشاط في القشرة البصرية لدى المكفوفين خلقيا في أثناء الحلم لا يعني بالضرورة أنهم يرون بصور بصرية في أثناء نومهم، ويُفسّر ذلك بأنه في حالة المكفوفين خلقياً، تُوجَّه القشرة البصرية لأداء وظائف حسية أخرى. فمثلاً، لدى الأشخاص الذين يقرؤون بطريقة برايل، إذا حُفزت قشرتهم البصرية كهربائيا، فإنهم يشعرون بإحساس حركي أو لمسي في أصابعهم، فالقشرة البصرية لا تتوقف عن العمل في أدمغة المكفوفين، لكن تُوجَّه وتخصص لأداء مهام أخرى مختلفة عن الرؤية».

ويتابع بيتيتو موضحًا أن التجارب أظهرت أن المعلومات الحسية الأخرى قد تصل إلى القشرة البصرية لديهم للمعالجة، يقول: «وضعنا أشخاصا مكفوفين على أجهزة تصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، وعرضناهم للروائح في أثناء تصوير نشاط أدمغتهم، فلاحظنا أن المعلومات المرتبطة بحاسة الشم تُعالج في القشرة البصرية، والأمر نفسه ينطبق على المحفزات السمعية واللمسية».

ب

تفسيرات بديلة لدور النظام البصري في الحلم

ومع أن بيتيتو يرى أن هذا النشاط في القشرة البصرية لا يدل على وجود صور بصرية فعلية في أحلام المكفوفين، فإن فيتالي تقترح تفسيرات بديلة محتملة، إذ قد يكون النظام البصري في أدمغتهم ينشئ مفاهيم حسية مجردة، ومن ثم تُترجم هذه المفاهيم داخلياً إلى تمثيلات بصرية خاصة بهم وفريدة، كما تقترح أن مرحلة نوم حركة العين السريعة REM، قد تعمل بوصفها جهاز محاكاة افتراضياً داخل الدماغ، يساعد في تطوير المهارات المعقدة مثل الإدراك المكاني والقدرة الحركية، وبهذا، قد يكون بإمكان الدماغ أن يُولّد صورًا في أثناء الأحلام حتى دون وجود تجربة بصرية حقيقية مُخزّنة في مرحلة اليقظة.

أما إحدى الصعوبات الكبرى التي تواجه دراسة هذه الظاهرة هي أنه حتى وإن استطاع المكفوفون خلقيا أن يروا أثناء الحلم، فإنهم لا يملكون أي تجربة بصرية سابقة في الواقع يستطيعون من خلالها مقارنة ما يرونه في أحلامهم بما يصفه المبصرون بأنه رؤية.

وتحاول غوري وزملاؤها في الوقت الحالي استكشاف الكيفية التي يتمثل بها المكفوفون صور الأحلام وكيف يعيشونها ويتفاعلون معها، وتؤكد الباحثة: «نحن في المراحل الأخيرة من تحليل النتائج، وستُنشر النتائج قريباً للاطلاع عليها».

ويرى بيتيتو أن تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تساعد مستقبلًا على فهم هذه الظاهرة المعقدة، وذلك من خلال تحليل أنماط نشاط الدماغ لدى المكفوفين في أثناء الحلم، ومقارنتها بتلك الأنماط الموجودة لدى المبصرين، وتضيف فيتالي أن أحد التطبيقات المحتملة لهذه الأبحاث هو استخدام الأحلام بوصفها أداة فعالة لإعادة التأهيل العصبي، إذ توجد أدلة علمية على أن الحلم بمهام معينة أو مواقف محددة قد يعزز من قدرة التعلم والذاكرة، وتختتم فيتالي حديثها قائلة: «إذا استطعنا استهداف حالة الحلم بالتحفيز الحسي في أثناء النوم، فقد نتمكن من تعزيز قدرات معينة مثل الإدراك المكاني، وهذا من شأنه أن يساعد الأشخاص المكفوفين الذين يواجهون صعوبات في بناء خرائط مكانية دقيقة وفي أداء المهام المكانية المعقدة».