الحرب تعمق جراح «الغزاويين».. اختفاء 14 ألف فلسطيني و10 آلاف شهيد مجهول الهوية

كتب: رؤى ممدوح

الحرب تعمق جراح «الغزاويين».. اختفاء 14 ألف فلسطيني و10 آلاف شهيد مجهول الهوية

الحرب تعمق جراح «الغزاويين».. اختفاء 14 ألف فلسطيني و10 آلاف شهيد مجهول الهوية

كتبت- رؤى ممدوح

فى قلب القطاع، تتكشف مأساة إنسانية يومياً، فبينما تكافح عائلات من أجل العيش والبقاء، تسعى عائلات أخرى للعثور على جثامين شهدائها، فى ظل نقص حاد فى توفير أجهزة مختبرات جنائية متقدمة للتعرف على الرفات، كذلك تتكدس الجثامين تحت الأنقاض، وفى معاقل الكيان الصهيونى. وتشير الإحصاءات الرسمية الفلسطينية إلى أن حرب 7 أكتوبر 2023، التى امتدت لعامين، خلّفت أكثر من 69 ألف شهيد وما يزيد على 170 ألف جريح، إضافة إلى دمار واسع طال 90% من البنية التحتية المدنية فى قطاع غزة، وتسبب فى فقدان نحو 14 ألفاً من الفلسطينيين، الذين لا يُعرف مصيرهم حتى اللحظة. وأكد المرصد الأورومتوسطى لحقوق الإنسان، فى تقرير له، وجود نحو 120 مقبرة جماعية استُحدثت فى قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، فيما أفاد مكتب تنسيق الشئون الإنسانية عن الدفاع المدنى الفلسطينى، فى بيان، بأن أكثر من 10 آلاف شخص مفقودون تحت الأنقاض، حيث يواجهون تحديات هائلة فى انتشال الجثث.

جراف قبور بلا شواهد 1

أما مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية، فأكد أن منظمات الإغاثة لا تزال تواجه عدداً من القيود المفروضة على الوصول إلى المحتاجين للمساعدة فى جميع أنحاء غزة، بما فى ذلك رفض المهمات المخطط لها أو التأخير لفترات طويلة عند نقاط التفتيش العسكرية الإسرائيلية على الطرق شمال قطاع غزة وجنوبه.

بدورها، اتهمت وزارة الصحة فى غزة إسرائيل بأنها لم تقدم أى قوائم رسمية بأسماء الجثامين، مشيرةً إلى أن العديد منها وصل مع آثار إطلاق نار على الرأس والصدر، وشظايا، وكسور فى الجمجمة والأطراف، إضافة إلى حالات شديدة التحلل أو التجميد، ما يزيد من تعقيد عمليات الفحص. فيما أوضحت الحملة الوطنية لاسترداد الجثامين أن كثيراً من الجثامين كانت محتجزة فى «مقابر الأرقام» أو فى ثلاجات عسكرية تابعة للاحتلال، ضمن سياسة ممنهجة لاحتجاز جثامين الفلسطينيين كملف ضغط سياسى وأمنى.

وتشير البيانات إلى أن إسرائيل كانت تحتجز، قبل بدء تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، نحو 735 جثماناً لفلسطينيين، بينهم 67 طفلاً، إضافة إلى 256 جثماناً داخل مقابر الأرقام، وهى مدافن سرّية تحمل أرقاماً بدل أسماء، يصعب تتبعها أو معرفة ما إذا كانت الجثامين ما تزال محفوظة فيها. وفى تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية فى 16 يوليو الماضى، أفادت بأن جيش الاحتلال يحتجز نحو 1500 جثمان لفلسطينيين من غزة داخل معسكر «سدى تيمان»، دون توضيح ظروف احتجازها أو موعد الوفاة أو طريقة الوفاة، وهو ما أثار موجة من الانتقادات الحقوقية داخل إسرائيل وخارجها حول قانونية الاحتجاز ومدى التزام الجيش بالمعايير الدولية.

وتمكنت الطواقم الطبية من التعرف على هوية ما يزيد على 90 جثماناً فقط من بين 330 سلّمتها إسرائيل إلى الجانب الفلسطينى منذ بدء سريان وقف إطلاق النار فى قطاع غزة، فى حين ما تزال العشرات مجهولة الهوية نتيجة ما وصفته الوزارة بـ«الطمس المتعمد للملامح» و«آثار التعذيب» التى ظهرت على العديد من أجساد الضحايا. وأشارت إدارة لجنة جثامين الشهداء فى القطاع إلى تجمد وتحلل معظم الجثامين، ووجود حالات تحمل آثار جراحة غامضة، بينها حالة شهيد مُسن بجروح وخياطة بالبطن وفتحة إخراجية للبراز، وحالة ثانية «مُشرّحة» بجروح من أعلى العنق حتى العانة مع نقص أجزاء داخلية، والكثير من الجثامين وصلت شبه عارية أو بملابس داخلية فقط، ما يدل على أنها كانت حية وقت الاعتقال وتعرضت للتحقيق قبل استشهادها.

جراف قبور بلا شواهد 2

وأكدت اللجنة وجود آثار تقييد وتعصيب للعينين، وأنه تم وضع الجثامين فى وضعية القرفصاء داخل ثلاجات التجميد، فضلاً عن حالات أخرى مصابة بحروق شديدة وحالة لجثمان بلا رأس، ما جعل التعرف عليه شبه مستحيل، فيما يقول أطباء الطب الشرعى فى غزة إن بعض الجثامين وصلت بلا رأس، أو بأطراف مبتورة، أو بعلامات خنق بالحبال، أو بحروق تغطى مساحات واسعة من الجسد، وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية الخاصة بالتعامل مع المعتقلين وجثامين القتلى فى مناطق النزاع.

وذكر المكتب الإعلامى الحكومى أن هناك جثثاً سُحِقَت تحت جنازير الدبابات وأخرى تظهر عليها علامات شنق بالحبال، داعياً إلى تشكيل لجنة دولية مستقلة على وجه السرعة للتحقيق فيما وصفه بجرائم الاحتلال المروعة بحق الشهداء، معتبراً أن ما ظهر على الجثامين يمثل دليلاً إضافياً على استخدام العنف المفرط والتصفية الجسدية خارج إطار القانون.

ونشرت وزارة الصحة فى غزة رابطاً إلكترونياً يضم صوراً؛ لمساعدة الأهالى فى التعرّف على ذويهم عن بُعد قبل التوجه إلى المستشفيات. فيما اضطرت الوزارة إلى دفن الجثامين غير معروفة الهوية فى مقابر المجهولين، وذلك بسبب نقص ثلاجات الحفظ، مع الاحتفاظ بالصور والسجلات استعداداً لأى عمليات مطابقة مستقبلية. بدوره، قال محمود عاشور، المتحدث باسم الأدلة الجنائية فى غزة، إن الفرق الطبية تشعر بالعجز فى ظل صعوبة التعرف على الجثامين المجهولة، مطالباً الجهات الدولية بالتدخل العاجل لتوفير أجهزة مختبرات جنائية متقدمة، وأكد أن عمليات التعرّف الحالية تعتمد على التصوير الجنائى وشهادات الأهالى، فى ظل غياب مختبرات متخصصة لفحص الحمض النووى والبصمات، وهو ما يعرقل عملية التوثيق بدقة.

جراف قبور بلا شواهد 3

وذكر رائد النمس، متحدث جمعية الهلال الأحمر الفلسطينية، فى تصريحات له، أن الطواقم الطبية الخاصة بالجمعية انتشلت عشرات الجثامين المتحللة والهياكل العظمية من منطقة محور نتساريم، منوهاً بأن التعرف على هوية تلك الجثامين صعب للغاية فى ظل نقص الإمكانيات، وعدم وجود مختبرات متخصصة لهذا الشأن، خاصة ما يتعلق بتحاليل الحمض النووى، مبيناً أن آلاف المناشدات تصل للهلال الأحمر للكشف عن المفقودين.

غزة

بدورها، حذرت المنظمات الحقوقية المحلية والدولية من أن استمرار إسرائيل فى احتجاز الجثامين أو إعادتها بصورة مشوهة ومن دون معلومات طبية واضحة يشكّل انتهاكاً خطيراً قد يرقى إلى جريمة حرب، ويُبقى عشرات العائلات فى حالة فقدان طويلة، لا تعرف فيها إن كان أبناؤها شهداء أم مفقودين. ولفتت إلى أن ملف الجثامين المحتجزة والمستعادة بين الجانب الفلسطينى والاحتلال ليس جديداً، لكنه اتخذ خلال الأشهر الماضية بعداً أكثر تعقيداً بسبب احتجاز المئات من جثامين سكان غزة خلال الحرب الأخيرة. فيما أكد حقوقيون أن احتجاز الجثامين يخالف القانون الدولى الإنسانى، الذى يلزم أطراف النزاع بتسليم الجثث لذويها وإتاحة الفرصة لدفنها بطريقة تليق بالكرامة الإنسانية.