«أحمد» يبحث عن شقيقه بغزة: مافيش في إيدي غير التدقيق في الصور
«أحمد» يبحث عن شقيقه بغزة: مافيش في إيدي غير التدقيق في الصور
داخل غرفة بمنزله بمنطقة المعادي، وأمام شاشة الكمبيوتر الخاصة به، يجلس أحمد سهمود، بتركيز كبير، وكأنها نافذته الوحيدة إلى مسقط رأسه فى غزة، الضوء الأزرق ينعكس على وجهه المتعب، والماوس فى يده يتحرّك ببطء، يتنقّل بين صور ووجوه الشهداء عبر رابط وزارة الصحة الفلسطينية المخصّص للمفقودين والجثامين المجهولة التى أعادها الاحتلال بعد تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، إذ تحمل كل صورة رقماً، لكنها بالنسبة للشاب الثلاثينى قد تكون مفتاحاً يقوده إلى هوية شقيقه الأكبر المختفى منذ أكثر من عامين.
شكّلت مع شقيقتي غرفة عمليات عبر «واتساب»
يقول أحمد إنه يغوص لساعات طويلة فى هذه الوجوه المشوهة والمطموسة الملامح، يدقّق فى العيون، فى التجاعيد الصغيرة، باحثاً عن أى علامة أو دليل، أو أى شىء يربطه بأخيه الذى استُشهد فى أكتوبر 2023، ولم يعثر على جثمانه حتى اللحظة، ويصف الشاب الذى غادر القطاع قبل أكثر من عام ونصف، واستقر فى مصر رفقة زوجته ونجله الذى رأى النور داخل حدود المحروسة، مشاعره التى تتّسم بالعجز المستمر بسبب عدم قدرته على الوجود مع والديه وشقيقاته، للتنقل بين المستشفيات من شمال غزة إلى جنوبها، للعثور على شقيقه، ما منع ذويه من القيام به، مضيفا: «من وقت ما بدأ الاحتلال في إرسال الجثامين إلى غزة وأنا مانع والدي ووالدتي من الذهاب للمستشفى، وغرف التشريح، أو حتى الدخول على الصور التابعة لوزارة الصحة للبحث عن جثة محمد، لأن المشاهد صعبة جداً وخُفت عليهم من هول الفاجعة».
وتابع: «أنا حريص أن تحافظ والدتى على الصورة الجميلة لابنها البكر الشهيد فى ذهنها، قبل أن يتحول وجهه إلى صورة بشعة على الشاشة، ويظهر كبقايا إنسان مُتحلل»، فيما شكّل الشاب الثلاثينى ما يشبه غرفة العمليات برفقة شقيقته التى لا تزال فى غزة: «أنا وأختى كنا نفتح الرابط، والصور اللى تشك فى أنها لشقيقنا تبعتها لى عن طريق واتساب، ونجلس لوقت طويل نُدقّق ونتناقش».
مأساة تلاحق زوجة ونجل شقيقه
ويحكى الشاب الثلاثينى عن المأساة التى لاحقت زوجة ونجل شقيقه عقب استشهاده، إذ اضطرا إلى النزوح أكثر من مرة تاركين منزلهما فى حى الشجاعية شرق مدينة غزة، بعد القصف المكثف الذى دمر المنطقة، بالتزامن مع اجتياح آليات الاحتلال للمدينة، متجهين إلى جنوب القطاع فى رحلة شاقة، وهناك وضعت مولودها الثانى داخل إحدى الخيام الباردة بعد أشهر من فقدان شريكها.
ويتابع: «المأساة الكبرى هي أننا نعلم أن شقيقى استُشهد، هذا أمر مؤكد ومفروغ منه، ولكن بسبب الاستهدافات والغارات التى شنتها طائرات الاحتلال وإطلاق النار المستمر، لم نتمكن من سحب جثمانه الممدد على الأرض حينها، لأن أى شخص حاول الاقتراب كان يتعرّض لزخات كبيرة من الرصاص، وكانت تلك هى المرة الأخيرة التى شاهدنا فيها محمد أو وصلتنا معلومة عنه».