خطة إسرائيل للاستيلاء على غزة.. «الخط الأصفر» يفرض واقعا جديدا بالمنطقة

كتب: ندى قطب

خطة إسرائيل للاستيلاء على غزة.. «الخط الأصفر» يفرض واقعا جديدا بالمنطقة

خطة إسرائيل للاستيلاء على غزة.. «الخط الأصفر» يفرض واقعا جديدا بالمنطقة

فى توقيت بالغ الحساسية، ومع تزايد الحديث عن ترتيبات «اليوم التالى» للحرب على قطاع غزة، فجّرت تصريحات عسكرية إسرائيلية جدلاً واسعاً حول ما إذا كانت خريطة القطاع تتجه فعلياً نحو إعادة رسم قسرية، تتجاوز اتفاقات وقف إطلاق النار والقرارات الدولية، فبينما يُفترض أن يشكل وقف إطلاق النار محطة انتقالية نحو التهدئة والانسحاب، تكشف الوقائع الميدانية، وفقاً لصحيفة «الجارديان»، عن مسار مغاير، تتحول فيه خطوط عسكرية مؤقتة إلى ما يشبه حدوداً دائمة، وتُفرَض فيه وقائع جديدة على الأرض، تحت غطاء أمنى وسياسى دولى ملتبس، فى قلب هذا المشهد، يبرز ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، الذى لم يعد مجرد إجراء عملياتى، بل أصبح، وفق تصريحات رسمية لمسئولين إسرائيليين، أساساً لرؤية جديدة لمستقبل غزة، وسط صمت دولى وعجز أممى، ومعاناة إنسانية غير مسبوقة تطحن أكثر من مليونى فلسطينى.

«الجارديان»: الاحتلال يضم أكثر من نصف أراضى الفلسطينيين ويقتل المواطنين بالرصاص رغم اتفاق وقف إطلاق النار وسط «صمت دولى وعجز أممى»

ونقلت الصحيفة البريطانية عن رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلى، إيال زامير، قوله إن «الخط الأصفر»، الذى يقسم قطاع غزة، ضمن خطة وقف إطلاق النار، المنسوبة للرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، يمثل «خطاً جديداً لحدود إسرائيل»، فى إشارة واضحة إلى نية تل أبيب الاحتفاظ بمواقعها العسكرية الحالية داخل القطاع، وخلال زيارة ميدانية لجنود الاحتياط الإسرائيليين المنتشرين فى شمال غزة، أكد «زامير» أن جيش الاحتلال «سيتمسك بالأراضى التى يسيطر عليها حالياً»، وهى مناطق تمنح إسرائيل سيطرة مباشرة على أكثر من نصف مساحة القطاع، بما فى ذلك معظم الأراضى الزراعية. وأضاف «زامير»، خلال جولته فى مناطق مُدمَّرة من بلدتى «بيت حانون» و«جباليا» الفلسطينيتين، أن «الخط الأصفر هو خط حدودى جديد، يعمل كخط دفاعى متقدم لحماية مجتمعاتنا، وكخط للنشاط العملياتى»، مشدداً على أن القوات الإسرائيلية باتت تملك «سيطرة عملياتية على مساحات واسعة من قطاع غزة، وسنظل متمركزين على هذه الخطوط الدفاعية»، كما أكد جيش الاحتلال، فى بيان رسمى، صحة هذه التصريحات، ما يعزز المخاوف من أن تكون هذه الرؤية تعكس توجهاً مؤسسياً، يتجاوز مجرد تصريحات ميدانية.

فى هذا السياق، امتنعت الحكومة الإسرائيلية عن التعليق المباشر على ما إذا كانت تصريحات رئيس الأركان تعكس سياسة رسمية معتمدة، واكتفى مسئول إسرائيلى بالقول إن القوات «منتشرة فى غزة وفقاً لإطار وقف إطلاق النار»، متهماً حركة «حماس» بانتهاك الاتفاق، غير أن «الجارديان» لفتت إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار ذاته يربط انسحاب القوات الإسرائيلية بنزع سلاح «حماس»، دون أن يحدد آلية واضحة، أو جدولاً زمنياً لتحقيق ذلك، ما يفتح الباب أمام «تفسيرات فضفاضة»، تُستخدم لتبرير استمرار الوجود العسكرى.

على الصعيد الدولى، أشار تقرير الصحيفة البريطانية إلى أن مجلس الأمن الدولى أقر، الشهر الماضى، قراراً يجيز إنشاء قوة أمنية دولية فى غزة، غير أن أى دولة لم تعلن حتى الآن التزامها بإرسال قوات للمشاركة فى هذه المهمة، ورغم إبداء بعض الدول اهتماماً مبدئياً بالمشاركة فى قوة لحفظ السلام، فإنها تتردد فى الزج بجنودها فى مواجهة محتملة مع حركة «حماس»، فى ظل غياب تفويض واضح، وضمانات سياسية وعسكرية كافية، رغم الضغوط التى تمارسها الإدارة الأمريكية.

وميدانياً، وثقت «الجارديان» قيام جيش الاحتلال الإسرائيلى ببناء نقاط تحصين خرسانية جديدة على امتداد «الخط الأصفر»، فى خطوة تهدف إلى تعزيز المواقف العسكرية، وترسيخ السيطرة، كما أعلن هذا الخط «منطقة قاتلة»، رغم أنه غير محدد المعالم بشكل واضح فى بعض المناطق، ورغم سريان وقف إطلاق النار، وخلال الأسابيع الماضية، قُتل عدد من الفلسطينيين برصاص الجيش الإسرائيلى، بدعوى تجاوز هذا الخط، من بينهم أطفال، فى حوادث أثارت انتقادات حقوقية واسعة، كما أظهرت صور الأقمار الاصطناعية، التى استند إليها التقرير، أن بعض الحواجز الخرسانية الموضوعة لترسيم «الخط الأصفر»، جرى تثبيتها على بُعد مئات الأمتار داخل المناطق المحددة فى خرائط وقف إطلاق النار، ما يعكس توسعاً فعلياً فى نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية داخل القطاع، وتحويل خط مؤقت إلى أداة لفرض واقع جغرافى جديد.

وفى تطور لا يقل خطورة، كشفت «الجارديان» أن الجيش الأمريكى يضع، بدوره، تصورات طويلة الأمد للتعامل مع تقسيم قطاع غزة، على أساس «الخط الأصفر»، ونقلت الصحيفة عن مسئول أمريكى وصفه لفكرة إعادة توحيد القطاع بأنها «هدف طموح»، فى إشارة إلى أن سيناريو التقسيم بات حاضراً فى النقاشات الرسمية، وأظهرت وثائق اطّلعت عليها الصحيفة تصوراً لتقسيم غزة إلى «منطقة خضراء»، تخضع لسيطرة عسكرية إسرائيلية ودولية، وتبدأ فيها عمليات إعادة الإعمار، و«منطقة حمراء» تُترك مُدمَّرة إلى أجل غير مسمى، دون جدول زمنى واضح لإعادة تأهيلها أو إعادة سكانها.

وتختتم الصحيفة تقريرها بالقول إن هذا السيناريو، بحسب مراقبين، يعيد إنتاج نماذج تقسيم «وصاية» عرفتها مناطق صراع أخرى، لكنه يحمل فى الحالة الفلسطينية مخاطر مضاعفة، لأنه يهدد وحدة القطاع الجغرافية والسياسية، ويكرس واقعاً من الفصل القسرى، والعقاب الجماعى، وفى ظل غياب أفق سياسى واضح، واستمرار الخلل فى موازين القوى، يبدو «الخط الأصفر» مرشحاً للتحول من إجراء عسكرى عابر، إلى مَعلم دائم فى خريطة غزة، ما ينذر بمرحلة جديدة من الصراع، عنوانها الأبرز فرض الأمر الواقع بالقوة، وتآكل ما تبقى من فرص للسلام.