شريف سعيد: «عسل السنيورة» رؤية للمجتمع المصري بعيون الآخر.. وجائزة نجيب محفوظ قيمتها مضاعفة
شريف سعيد: «عسل السنيورة» رؤية للمجتمع المصري بعيون الآخر.. وجائزة نجيب محفوظ قيمتها مضاعفة
فى لحظة فارقة توجت مجهود سنوات من البحث والتنقيب فى أزقة التاريخ المصرى، حصد الكاتب والمخرج شريف سعيد جائزة نجيب محفوظ عن روايته «عسل السنيورة»، الممنوحة من المجلس الأعلى للثقافة.
وعبر «شريف» عن سعادته وامتنانه للفوز بالجائزة المرموقة، مؤكداً خصوصية الجائزة كونها تحمل اسم شيخ الحكائين نجيب محفوظ، مشيراً إلى أهمية الجوائز بالنسبة للكاتب كونها توسع نطاق قراءة أعماله مؤكداً «لا شىء أفضل للقارئ من زيادة أعداد قُرائه».
وكشف فى حواره لـ«الوطن» كواليس التجهيز للرواية التى استغرقت سنوات من البحث الضمنى والتنقيب فى أمهات الكتب العربية والأجنبية والمراجع والدراسات العملية المتنوعة، لافتاً إلى دوافعه لتناول المناطق التاريخية فى أكثر من رواية من أعماله، وعمله الجديد الذى سيصدر فى الفترة المقبلة.
■ كيف استقبلت خبر الفوز بجائزة نجيب محفوظ لعام 2025؟ وماذا يمثل اسم أديب نوبل؟
- علمت بفوزى بالجائزة قبل منتصف الليل بدقائق والخبر أسعدنى بلا شك، وجائزة نجيب محفوظ من وزارة الثقافة قيمتها مضاعفة، فأى جائزة تأتى أهميتها من خلال أنها تلقى الضوء على أعمال الكاتب وهذا أهم شىء لأنها تجتذب شرائح جديدة من القراء، والقارئ «رزق الكاتب»، أما جائزة نجيب محفوظ فقيمتها مضاعفة لعدة أسباب، لأنها مقترنة باسم «محفوظ»، كبير الحكائين، مؤسس ومطور الرواية المصرية والعربية، والحصول على هذه الجائزة المرموقة شرف كبير بالنسبة لى، والسبب الثانى أن الجهة المانحة هى وزارة الثقافة المصرية، الأعرق فى الإقليم، السبب الثالث هو مجال الجائزة فى الكتابة، وهى أسباب كلها مسائل تمنح الجائزة قيمة مضاعفة.
■ ما الذى دفعك للنبش فى دفاتر الحملة الفرنسية تحديداً لكتابة رواية تاريخية، مثل «عسل السنيورة»؟
- «عسل السنيورة» هى رواية تاريخية، وإن كنت لا أميل شخصياً لتصنيف الأعمال الأدبية، فالرواية فى النهاية هى «رواية»، و«السنيورة» تقع أحداثها فى حقبة الحملة الفرنسية، وهى لحظة تاريخية مفصلية، ما بعدها لم يكن أبداً كما كان قبلها، فهى اللحظة التى بدأنا نطرح فيها أسئلة الهوية: «مَن نحن؟» وأسئلة عن الشخصية والهوية المصرية، وما زالت هذه التساؤلات مستمرة حتى اليوم.
■ كيف كوَّنت صورة الشخصية الرئيسية فى الرواية؟
- جوليا أو كما أطلق عليها المصريون «السنيورة» من فرط حلاوتها، كل المكتوب عن هذه الشخصية فى كتب التاريخ لا يتعدى فقرة واحدة من ثمانية أسطر، وهى امرأة فرنسية أُسرت فى المنصورة وعوملت بقسوة شديدة جداً، وبقيت فى مصر حتى وفاتها، وهذه الشخصية جذبتنى خلال البحث وكتابة روايتى «وأنا أحبك يا سليمة»، أردت من خلال عيون الآخر أو «السنيورة» أن أرى المجتمع المصرى من الضفة الأخرى، «السنيورة» كانت فكرة درامية جداً؛ امرأة قادمة من حضارة مختلفة، تقع فى الأسر، ويتزوجها شيخ العرب «أبوقورة» عنوة، ثم يُتوفى ويتزوجها شقيقه الذى يعاملها بقسوة.. حياة مليئة بالتفاصيل التى لم تذكرها الكتب، والفكرة بدأت منذ نحو ست سنوات.
الرواية التاريخية تُكتب للاشتباك مع الواقع وليست مصدراً للتاريخ والحملة الفرنسية مرحلة مفصلية
■ الرواية مليئة بالتفاصيل التاريخية الدقيقة؛ كيف استطعت الموازنة بين «أمانة المؤرخ» و«حرية الروائى»؟
- هناك خطوط عريضة فى التاريخ لا أكسرها أبداً، مثل الوقائع والأحداث المتفق عليها، لكن فيما عدا ذلك، أترك المساحة لخيال الكاتب، و«السنيورة» شخصية حقيقية، والخطوط المتعلقة بتاريخ الشخصية لم أكسرها، لكن مشاعرها، تفاصيل علاقاتها، وحواراتها كلها من وحى خيالى، لأن المصادر لم تمنحنى سوى اسمها ومصيرها النهائى.
■ ذكرت أنك استغرقت سنوات فى البحث؛ ما أصعب معلومة تاريخية كافحت للوصول إليها لتنسجها فى سياق درامى؟
- البحث هو «الكنز فى الرحلة»، ومن أصعب الأمور التى واجهتها البحث عن تفاصيل فرانسو برنوييه، وهو مصمم أزياء الحملة الفرنسية. وجدت رسائله بعد بحث مضن، فى باريس ولم تكن مترجمة أو موجودة فى مصر، فاشتريتها «أون لاين» وترجمتها بالكامل عن الفرنسية لكى أصل لتفاصيل دقيقة عن حياته وملابسه، لأنه شخصية فاعلة فى الرواية.
■ هل تعمدت تقديم صورة المحتل الفرنسى بشكل مختلف عما ندرسه فى المدارس؟
- لدى شغف بمعرفة صورتنا لدى الآخر، ومحاولة قراءة الوقائع قراءة مغايرة عن الكتب المدرسية، فالتاريخ ليس فقط ما نقرأه فى الكتب المدرسية. ففى تلك الحقبة، فكرة «القومية» لم تكن قد وُلدت بعد فى هذا التوقيت، فالمصريون كانوا يقاومون الفرنسيين لكونه «كافراً» لا يصلى مثلهم، وليس لأنه «محتل»، وكانوا يقبلون بالمحتل المملوكى أو العثمانى، أردت قراءة الوقائع بقراءة مغايرة وقريبة من الإنسانية بعيداً عن القوالب الجاهزة.
■ إلى أى مدى تأثرت كتابتك الروائية بعملك كمخرج للأفلام التسجيلية؟
- بالتأكيد هناك تأثر بالصورة، وأنا ابن السينما و«الصورة» بداخلى تفرض نفسها. أحاول دائماً أن يرى القارئ الصورة وهو يقرأ، لا أن يكتفى بالكلمات. هذا يجعل القراءة ممتعة وأكثر انغماساً فى عالم الرواية.
استعنت برسائل ماجستير ودكتوراه من أجل الوصول إلى معلومات دقيقة خلال مرحلة الكتابة
■ كيف كانت الموازنة بين الكتابة عن الماضى بكل ظروفه لتقديمه إلى القارئ المعاصر؟
- هذه حرفة الكاتب، يقدم فترة سابقة من دون نفور من غرابة اللغة، وأنا أتقمص العصر الذى أكتب عنه تماماً بالرؤية التى كانت موجودة بمصطلحات وبجغرافية زمانه، لذلك كنت حريصاً على التدقيق للرجوع إلى جغرافية القاهرة فى هذا التوقيت، كما كنت أرجع للجبرتى وعبدالرحمن الرافعى، هذا بخلاف الدراسات العلمية ماجستير ودكتوراه، وكثير من المراجع، البحث كان عن الجغرافية والتاريخ واللغة وأشكال وأسماء قطع الملابس، لذلك فالرواية التى تدور فى حقب تاريخية بعيدة بحثها مضنٍ.
■ هل سنرى «السنيورة» أو «سليمة» فى عمل درامى أو سينمائى قريباً؟
- أى عمل لديه قابلية لأن يتحول للدراما، وإن كنت أؤمن بأن كل وسيط، رواية أو سينما، له أبجدياته الخاصة. لكنها خطوة أرحب بها. والتحول من المكتوب إلى المرئى يتطلب رؤية قد تبدد أو ترسخ رؤية الكاتب الأصلية، فمثلاً «حديث الصباح والمساء» لنجيب محفوظ عندما تحولت إلى التليفزيون كان العمل محتفظاً بفلسفة «نجيب»، فى حين فلسفة الكاتب الكبير تبددت تماماً عند تحويل ملحمة «الحرافيش» إلى مجموعة الأفلام المعروفة، مثل «شهد الملكة» وغيرها.
■ ما الرسالة الضمنية التى تريد توصيلها للقارئ فى عام 2025 أن يتعلمه من أحداث وقعت فى 1798؟
- الرواية التاريخية -فى رأيى- لا تكتب من أجل التاريخ، لكنها تكتب للاشتباك مع الواقع المعيش، وأسئلة الشخصية المصرية، وأسئلة الوجود والحب والجنس والدين، والحقيقة لها وجوه كثيرة.
■ ما المشروع المقبل بعد نجاح رواية «عسل السنيورة»؟
- العمل المقبل سيكون رواية جديدة، تصدر خلال شهر عن دار الشروق.
الهوية المصرية
سؤال الهوية المصرية بات مطروحاً بكثرة هذه الأيام، لأن مصر تقع على ناصية حلم كل الحضارات، ومر بها غزاة كثيرون، وهو ما أربك الهوية أحياناً، فنحن كل واحد فينا كمصرى، يتصرف تصرفات تعبر عن كل من مروا من أرضنا ومن جميع الحضارات التى مرت من مصر، مثلاً المصرى يصوم رمضان، ويبتهج فى 7 يناير ويحتفل بالكريسماس، ويعتبر أن مارجرجس قديس، ويحتفى بالسبوع وفى الحالات الحزينة بذكرى الأربعين، أى سنجد ممارسات إسلامى على مسيحى على فرعونى على غير ذلك، وأجد أن كل هذا التنوع خلق نوعاً من الثراء للمصرية.