فنزويلا المحاصرة.. عندما تصبح الثروة نقمة
في أكتوبر 1962 اقترب العالم من اشتعال الحرب النووية. نقل الاتحاد السوفييتي صواريخ نووية وأقامها في أراضي كوبا اللصيقة بسواحل أمريكا. كان السوفييت يهدفون إلى حماية كوبا من تغول أمريكا على الجزيرة الصغيرة. لم تكن أمريكا تستطيع إيذاء كوبا لأن الاتحاد السوفييتي يحميها، بل إن أمريكا دبرت ما يزيد على 600 محاولة اغتيال للزعيم الكوبي فيدل كاسترو وفشلت جميعها وعاش كاسترو حتى تجاوز عامه التسعين.
الآن، وبعد اختفاء الاتحاد السوفييتي تتلاعب أمريكا بمصائر دول أمريكا اللاتينية التي تعتبرها الفناء الخلفي لها. تقوم أمريكا بحصار فنزويلا الدولة البترولية التي تملك أكبر احتياطي في العالم. استولت أمريكا على ناقلات بترول تحمل ملايين الأطنان من الذهب الأسود. ولم تكتف بذلك بل شددت حصارا اقتصاديا وماليا على الدولة التي ترفع راية الاشتراكية. وتحولت أزمة حصار فنزويلا إلى نموذج صارخ لكيفية تطويع القوة العظمى الاقتصاد العالمي ليصبح أداة عقاب وضغط واستنزاف. في بلد يطفو فوق أكبر احتياطي بترولي في العالم، حيث لم يعد البترول نعمة، بل صار نقمة ولعنة جلبت الحصار والصراع لفنزويلا.
لم يخف ترامب عداءه لفنزويلا ولا لنظامها السياسي. جاءت سياسته امتدادا لرؤية أيديولوجية ترى في الحكومات اليسارية في أمريكا اللاتينية خطرا يجب تطويقه وإعادة رسم النفوذ الأمريكي في منطقة اعتبرتها واشنطن تاريخيا مجالا حيويا لها. لكن خلف الشعارات عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، كان البترول حاضرا بقوة، لا كسلعة فحسب، بل كورقة ضغط استراتيجية. ففنزويلا التي كانت لسنوات مصدرا مهما للبترول إلى أمريكا، وجدت نفسها فجأة محرومة من بيع بترولها، ومن استخدام عائداته، ومن الوصول حتى إلى أموالها المجمدة في الخارج.
الحصار الأمريكي لم يكن ضربة واحدة، بل سلسلة خنق متدرجة، بدأت بتجفيف القنوات المالية، ثم انتقلت إلى شل قطاع البترول، ثم توسعت لتطال أي جهة تتعامل مع فنزويلا، في مشهد أقرب إلى حصار شامل بلا إعلان حرب.
ومع كل خطوة، كان الشعب الفنزويلي يدفع الثمن الأكبر، بينما تقدم المعاناة الإنسانية كورقة ضغط إضافية لإجبار الدولة على الانكسار من الداخل. وهنا يبرز السؤال: إلى أي حد يمكن أن يصل هذا الحصار، وهل يتحول من أداة سياسية إلى عقوبة جماعية؟
أمريكا لا تسعى في الغالب إلى احتلال فنزويلا أو الاستيلاء المباشر على آبارها النفطية، فالعصر تغير، لكن الجوهر بقي ذاته. الهدف السيطرة عبر تغيير النظام، وفتح الطريق أمام سلطة أكثر طواعية، تسمح للشركات الأمريكية بالعودة بشروط مريحة، وإعادة دمج البترول الفنزويلي في السوق العالمية تحت المظلة الأمريكية. إنها نسخة حديثة من منطق قديم، حيث لا ترفع الرايات ولا تطلق المدافع، بل تستخدم البنوك، والعقوبات، والدولار كسلاح صامت لكنه فتاك.
من منظور القانون الدولي، تثير العقوبات الأمريكية الأحادية إشكاليات عميقة، فهي لا تصدر عن مجلس الأمن، ولا تراعي آثارها الإنسانية، وتضرب مبدأ سيادة الدول في الصميم. ومع ذلك، تفرض وتنفذ بقوة الأمر الواقع، في عالم باتت فيه القواعد تكتب بيد الأقوى لا بميزان العدالة. وهذا ما يفتح الباب أمام نظام دولي هش، تستبدل فيه القوانين بالأوامر، والحقوق بالمصالح.
الخطر الأكبر أن ما يحدث في فنزويلا نموذج قابل للتكرار في أي مكان تتقاطع فيه الموارد الاستراتيجية مع الاستقلال السياسي. فالعقوبات التي طالت فنزويلا تشبه، في جوهرها، تلك المفروضة على دول أخرى، ما يوحي بأن العالم يتجه نحو مرحلة تستخدم فيها الأدوات الاقتصادية كسلاح رئيسي لإخضاع الدول وإعادة تشكيل خياراتها.
أما فنزويلا نفسها، فهي تقف أمام مفترق طرق صعب. فالصمود وحده لا يكفي، كما أن الرهان الكامل على الحلفاء الخارجيين ليس حلا سحريا . روسيا والصين قد تقدمان دعما يخفف العزلة ويمنح النظام هامش مناورة، لكنهما لن تخوضا معركة مفتوحة مع الولايات المتحدة من أجل كاراكاس. وفي النهاية، يبقى على فنزويلا أن تبحث عن خلاصها عبر إصلاح داخلي حقيقي، وتنويع اقتصادها، وبناء تحالفات لا تجعلها رهينة لأي قوة مهما بدت صديقة.
أزمة فنزويلا ليست قصة بلد محاصر فحسب، بل مرآة تعكس طبيعة العالم الذي نعيش فيه، عالم تدار فيه الصراعات بلا حروب معلنة، وتنهك فيه الشعوب باسم السياسة، ويستخدم فيه البترول كذريعة للهيمنة. وما لم تطرح أسئلة جادة حول شرعية هذا الأسلوب وحدوده، فإن فنزويلا قد لا تكون الضحية الأخيرة.