توفي الشيخ منصور رفاعي عبيد مساء أمس، بعد مسيرة طويلة من الخدمة في سبيل الإسلام، إذ لم يكن اسمه مجرد إدراج في سجل الدعاة والعلماء، بل امتد عطاؤه لعقود في العمل الدعوي والفكري، وترك حضورًا بارزًا في قضايا الفكر الإسلامي المعاصر، كما أثارت بعض رواياته وشهاداته اهتمام الرأي العام، من بينها حديثه عن رؤيته لموضع رأس الإمام الحسين رضي الله عنه، الذي رواه في لقاء تلفزيوني شهير.
من هو الشيخ منصور رفاعي عبيد؟
الشيخ منصور رفاعي عبيد من قيادات وزارة الأوقاف السابقين، إذ شغل منصب وكيل وزارة الأوقاف، وأسهم بدور بارز في العمل الدعوي والإداري، جامعًا بين التكوين الأزهري والعمل الميداني، بحسب ما ورد في البيانات التعريفية المنشورة على صفحة وزارة الأوقاف.
عرف عنه نشاطه العلمي الغزير، إذ خلّف أكثر من خمسين مؤلفًا تناولت قضايا الواقع الإنساني والحياتي، وسعت إلى تقديم قراءة إسلامية معاصرة تتسم بالحكمة والاتزان، بعيدًا عن الجمود أو الانفصال عن العصر، كما عُرف عنه حضوره المؤثر بين الأئمة والخطباء، وحرصه على ترسيخ خطاب ديني وسطي يعلي من قيمة العقل والنص معًا.
تُعد مسألة مكان رأس الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما من القضايا التاريخية التي تعددت حولها الروايات عبر القرون، فبينما تشير بعض المصادر التاريخية إلى انتقال الرأس الشريف من كربلاء إلى الشام، ثم إلى المدينة، ذهبت روايات أخرى إلى القول بوجوده في القاهرة، حيث أُقيم المشهد الحسيني في العصر الفاطمي، وأصبح مزارًا دينيًا وروحيًا بالغ الرمزية لدى المسلمين حتى يومنا هذا.
ولم يُحسم هذا الخلاف تاريخيًا حسمًا قاطعًا، وظل مجالًا للبحث والنقاش بين المؤرخين، دون أن يترتب عليه حكم عقدي، إذ اتفق العلماء على أن محبة آل البيت وتعظيمهم لا تتوقف على مكان قبر أو أثر.
رؤيته لموضع رأس سيدنا الحسين
في لقاء تلفزيوني سابق على قناة المحور، مع الإعلامي طارق علام، سرد الشيخ منصور رفاعي عبيد ما وصفه بأنه مشاركة في لجنة دينية كانت تسعى حسب قوله إلى التحقق التاريخي من موضع رأس الإمام الحسين.
وأوضح الشيخ في حديثه أن الواقعة جرت ليلًا بعد أداء الصلاة، إذ توجه هو ومن معه إلى المسجد، وأدوا صلاة الفجر في كل من مسجد الإمام الحسين والجامع الأزهر، ثم داخل المقام الحسيني.
وبحسب روايته، فقد قال أحد المشاركين، الذي ذكره باسم المهندس عمر الفاروق: «نحن نقوم بعملٍ لله، ونريد أن نثبت للتاريخ: هل الرأس هنا أم ليس هنا».
وأضاف الشيخ أنهم استخدموا وسيلة إضاءة لفحص موضع معين داخل المقام، مشيرًا إلى رؤيتهم لما وصفه بـقطعة خضراء، ثم ما عبّر عنه بـالقلب، مؤكدًا أن الأمر تم في أجواء من الاستخارة والدعاء والتجرد على حد وصفه وأنه اعتبر ذلك شهادة للتاريخ لا ادعاءً شخصيًا.
وأكد في اللقاء أن ما رواه إنما هو ما رآه بعينه وشارك فيه، دون أن يفرضه على أحد باعتباره حقيقة ملزمة، معتبرًا أن التاريخ الإسلامي زاخر بالوقائع التي تحتمل تعدد الروايات.
بين الرواية الدينية والمنهج العلمي
أثارت هذه الشهادة، منذ بثها، ردود فعل متباينة بين مؤيد يرى فيها تعبيرًا عن تجربة روحية وشهادة شخصية، وبين متحفظين يؤكدون أن القضايا التاريخية لا تُحسم بالرؤى أو المشاهدات الفردية، وإنما بالبحث العلمي الموثق.
وفي هذا السياق، يؤكد علماء الأزهر ودار الإفتاء أن الإيمان ومكانة آل البيت ثابتة شرعًا، بغض النظر عن صحة أي رواية تاريخية جزئية، وأن مثل هذه الشهادات ينبغي التعامل معها بوصفها اجتهادات أو روايات شخصية لا يترتب عليها حكم ديني ملزم.
رحل الشيخ منصور رفاعي عبيد تاركًا وراءه إرثًا علميًا وفكريًا معتبرًا، ومسيرة طويلة في ميادين الدعوة والفكر، إلى جانب مواقف وروايات ستظل محل نقاش وبحث، وبين ما كتبه في مؤلفاته، وما رواه في لقاءاته، يبقى الرجل أحد الوجوه التي أثرت المشهد الديني المصري لعقود، بكل ما له وما عليه، في إطار من التقدير لمسيرته والاحتكام للعلم في قراءة التاريخ، ونعاه وزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهري، مؤكدا أنه عاش حياة حافلة بالعطاء قضاها في ميادين العلم والدعوة، تاركًا مؤلفات تزيد على الخمسين كتابًا تناولت القضايا الحياتية والأمور العصرية بمنظور إسلامي حكيم رشيد.