قبل أن أتحدث عن صفقة الغاز المبرمة بين مصر وإسرائيل، أود أن أؤكد على عدة ثوابت مهمة، حتى أزيل أى لبس قد يطرأ عند قراءة وجهة نظرى فى هذه الصفقة:
- إسرائيل ستظل عدواً للشعب المصرى.
- رغم اتفاقية السلام بيننا وبينهم، فإننا ما زلنا نرفض التطبيع معهم، والحكومات المصرية المتعاقبة لم ولن تجبر أحداً على ذلك، ولم تحاول.
- اتفاقية السلام اقتصادية بحتة، ولا علاقة لها بالسياسة من قريب أو بعيد، رغم المحاولات اليائسة التى قام بها نتنياهو لإكسابها طابعاً سياسياً، عندما افتعل مناورة باهتة فى شهر سبتمبر الماضى، بأن رفض التوقيع عليها فى الموعد الذى كان مقرراً مسبقاً، وأنها لن تكتسب الصبغة السياسية حتى لو توهم أحد ذلك، لأن هذه الصبغة ستظل وهماً.
- الاتفاقية ليست جديدة وإنما هى تعديل لاتفاقية كانت سارية.
والآن يمكننى التطرق إلى تفاصيل الصفقة التى تنص على:
١- زيادة الكمية المصدرة لمصر إلى ١٣٠ مليار متر مكعب غاز يتم توريدها حتى عام ٢٠٤٠، بدلاً من ٦٠ مليار متر مكعب يتم توريدها حتى عام ٢٠٣٠ كما كانت تنص اتفاقية عام ٢٠١٩.
٢- قيمة الصفقة ٣٥ مليار دولار يتم دفعها على مدار مدة التوريد.
٣- يحق لأى من طرفى الاتفاقية الانسحاب منها دون شروط جزائية، أو اللجوء إلى التحكيم الدولى، وهذا يؤكد الطرح الذى ذكرته فى بداية المقال أن الاتفاقية لا تعدو كونها تجارية بحتة.
وطبقاً لكل هذه المعطيات، أراها فى صالح مصر وفى نفس الوقت إذا لم تبرمها إسرائيل ستخسر وذلك لعدة أسباب..
أولاً: إن سعر الغاز (فى حالته الغازية) يساوى نصف سعر الغاز المسال.
ثانياً: يمكن لمصر تسييل الغاز الفائض منها وإعادة تصديره، وتشير البيانات الرسمية إلى أنه يمكن لمصر تحقيق أرباح تقدر بـ١١مليار دولار، عن طريق التسييل بمحطتى غاز إدكو ودمياط، اللتين لا يوجد مثيل لهما فى المنطقة، وهذا يؤهل مصر لتكون منطقة مركزية لتصدير الغاز المسال.
ثالثاً: يمكن لمصر فى أى وقت خلال فترة التعاقد أن تنسحب من الاتفاقية.
رابعاً: إذا لم تصدر إسرائيل الغاز لمصر فإن غازها سيظل محبوساً فى باطن الأرض لأنها لا تمتلك محطات لتسييله، ولا تربطها شبكة أنابيب للغاز بأى دولة سوى مصر لنقل غازها فى حالته الغازية، إلى أوروبا أو لأى بلد آخر سوى الأردن، التى ليست فى حاجة إلى كل هذه الكميات، ولا تمتلك محطات لتسييله بغرض إعادة التصدير.
خامساً: إذا امتنعت إسرائيل عن التصدير لمصر فهذا سيمنعها من استقطاب شركات تنقيب جديدة.
خامساً: شركة شيفرون الأمريكية التى تمتلك ٥٥٪ من إنتاج الحقول التى يتم من خلالها تصدير الغاز لمصر، لم تكن تغامر بعدم إتمام هذه الصفقة، حتى لو كانت مصر الرابح الأكبر، وقد كان نفوذ هذه الشركة العملاقة وراء الضغط على نتنياهو، وإجباره على التوقيع بأوامر من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، ولم تمارس مصر أى ضغوط، كما أنها لم تقدم أى تنازلات، وقد بدا هذا الضغط واضحاً عندما ألغى وزير الطاقة الأمريكى زيارته لتل أبيب، التى كان مقرراً أن يقوم بها فى سبتمبر، اعتراضاً على رفض نتنياهو التوقيع.
سادساً: لا يمكن أن تستخدم إسرائيل هذه الاتفاقية كورقة ضغط على مصر، لأنها «جربت» اللعب بهذه الورقة فى شهر يونيو الماضى، وقطعت إمدادات الغاز أثناء الحرب على غزة، ولم تتأثر مصر، لأنها كانت -كالعادة- لديها خطط بديلة ومصادر أخرى لاستيراد الغاز.
سابعاً: موقف مصر السياسى ثابت ولم يتغير تجاه القضية الفلسطينية أو حق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته أو عدم التهجير القسرى لأهل غزة، أو تجاه الحفاظ على سيادتها وأمنها القومى، ولم يتأثر موقفها السياسى بأى ضغوط أو وعود، وقد ظهر ذلك جلياً طوال فترة العامين الماضيين اللذين شهدا حرب الإبادة الإسرائيلية على أهل غزة. لم يكن ممكناً بأى حال من الأحوال ألا أعلق على هذه الصفقة، التى حاول البعض لى حقيقتها، سواء من المتعمدين أو غير الملمين بتفاصيلها.
مصر هى الرابحة، رغم أنف نتنياهو، ولو كره الكارهون.