خلاف وصدام وراء الكواليس بين باريس وبرلين.. هل خان ماكرون المستشار الألماني؟
خلاف وصدام وراء الكواليس بين باريس وبرلين.. هل خان ماكرون المستشار الألماني؟
في لحظة كانت تراهن فيها برلين على استعادة زمام المبادرة داخل الاتحاد الأوروبي، وجد المستشار الألماني فريدريك ميرز نفسه معزولًا في واحدة من أكثر القضايا حساسية، بعدما فشل في حشد دعم أوروبي لاستخدام نحو 210 مليارات يورو من الأصول السيادية الروسية المجمدة لتمويل أوكرانيا، وسط غياب حليف كان يُفترض أن يكون حاسمًا، وهي فرنسا، بحسب تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية.
فعلى الرغم من أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يبد معارضة علنية للمقترح الألماني خلال الأسابيع التي سبقت قمة بروكسل، فإن فريقه عبر في اجتماعات مغلقة عن تحفظات قانونية ومالية عميقة، محذرًا من أن باريس، المثقلة أصلًا بديون مرتفعة، لا تستطيع تحمل عبء إصدار ضمانات وطنية في حال اضطرت لإعادة الأصول إلى موسكو خلال فترة زمنية قصيرة.
ماكرون يعطل الخطة الألمانية
ومع اتساع دائرة المعارضين، وانضمام دول مثل إيطاليا إلى بلجيكا، التي تستضيف الجزء الأكبر من الأصول الروسية المجمدة وكانت معارضة للمقترح منذ البداية، انتقل ماكرون من موقع الصمت إلى موقع التعطيل الفعلي، لتُدفن الخطة الألمانية قبل أن ترى النور.
ما هي أزمة الأصول الروسية المجمدة؟
تعود أزمة الأصول الروسية المجمدة إلى ما بعد الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، حين جمدت الدول الغربية نحو 300 مليار يورو من أموال الدولة الروسية، من بينها قرابة 210 مليارات داخل الاتحاد الأوروبي، معظمها مودعة في بلجيكا.
هذه الأموال لم تصادر قانونيًا، بل جمدت فقط، ما يعني أنها لا تزال مملوكة لروسيا وتتمتع بحصانة سيادية وفق القانون الدولي، ومن هنا يبرز الخلاف الأوروبي، فبينما ترى دول، تقودها ألمانيا، أن هذه الأصول يمكن استخدامها أو توظيفها كضمان لتمويل دعم أوكرانيا في ظل تراجع المساعدات الأمريكية، تحذر دول أخرى، وعلى رأسها فرنسا وبلجيكا، من مخاطر قانونية ومالية جسيمة.
وقال دبلوماسي أوروبي رفيع مطلع على محادثات القمة: «ماكرون خذل ميرز وهو يعلم أن ذلك سيكلفه سياسيًا، لكنه ضعيف إلى درجة لم تترك له خيارًا سوى الاصطفاف مع جورجيا ميلوني».
تحول لافت في موازين القوى
تكشف هذه المواجهة عن تحول لافت في موازين القوة بين أكبر دولتين في الاتحاد الأوروبي، فمنذ تولي ميرز منصبه في مايو، برز توجه ألماني أكثر حزمًا، ترجم إلى خطط إنفاق غير مسبوقة قد تصل إلى تريليون يورو على الدفاع والبنية التحتية خلال العقد المقبل.
في المقابل، تواجه فرنسا مرحلة من الضعف السياسي والمالي، مع ارتفاع الدين العام وتآكل هامش المناورة في النصف الثاني من الولاية الأخيرة لماكرون، وهو ما بدد الآمال في إعادة تشغيل «المحرك الفرنسي-الألماني» الذي قاد تاريخيًا أبرز القفزات السياسية في الاتحاد.
خلافات بين باريس وبرلين
لم يكن ملف الأصول الروسية نقطة الخلاف الوحيدة، ففي قمة بروكسل، عاد الجدل حول اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل «ميركوسور» في أمريكا اللاتينية، وبعد أكثر من 25 عامًا من المفاوضات، ضغط ميرز بقوة لتوقيع الاتفاق قبل نهاية ديسمبر، ملوّحًا بطرح التصويت حتى لو وجدت فرنسا نفسها في موقع الأقلية.
لكن ماكرون وجد مرة أخرى دعمًا غير متوقع من رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي نجحت في فرض تأجيل لأسابيع إضافية، حارمة ميرز من نصر سياسي جديد.