أوروبا ضحية ماضيها.. وأمريكا
يتجدّد الحديث عن الحرب الروسية الأوكرانية دقيقة بدقيقة، نظراً لتسارع وتيرة الأحداث والتغيّرات العسكرية والجغرافية فى الأراضى الأوكرانية. يواصل المحللون الاستراتيجيون لحظة بلحظة إبداء وجهات نظرهم فى ما يحدث على أرض القارة العجوز وتبعات الحرب ومستقبل أوروبا. تكرس الآن أن هذه الحرب تحمل فى طياتها ما هو أبعد من أوكرانيا، فأمريكا رأت فيها فرصة تاريخية لاستنزاف روسيا وإعادة تطويقها استراتيجياً دون أن تدفع ثمن الدم مباشرة. فى المقابل، اندفعت أوروبا خلف الموقف الأمريكى بدافع الخوف من التمدّد الروسى، وبحكم التبعية السياسية والأمنية لحلف الناتو، وبسبب عُقدة هتلر.
تبدو أوروبا عالقة بين فكى الرحى. تعانى من التضخم، وأزمات الطاقة، وتآكل القدرة التنافسية للصناعة، كما تجد نفسها مطالبة بتمويل حرب مفتوحة، واستنزاف مخزونها العسكرى، وتحمّل تبعات سياسية داخلية تتصاعد حدّتها مع تراجع مستوى المعيشة وصعود التيارات الشعبوية. أما روسيا، فرغم الخسائر والعقوبات، فإنها لم تُهزم، كما توقعت العواصم الغربية، بل أعادت هيكلة اقتصادها، ووسّعت شراكاتها مع الصين والهند ودول الجنوب العالمى، واستفادت من طول أمد الحرب، لتحويلها إلى صراع استنزاف معاكس.
السؤال المطروح والمرتبط بسيناريو أكثر اتساعاً، هل تخرج روسيا منتصرة ميدانياً وسياسياً، عبر فرض واقع جديد فى أوكرانيا مقابل تفاهم ضمنى مع الولايات المتحدة، خاصة فى ظل التصاعد المتسارع للمواجهة الأمريكية - الصينية؟ هذا الاحتمال، وإن بدا صادماً، ليس مستبعداً بالكامل فى عالم تحكمه المصالح لا الشعارات. وفى كل الأحوال ستكون أوروبا الخاسر الأكبر، اقتصاد منهك، دور سياسى تابع، وقدرة عسكرية محدودة، ووعى متأخر بأنها دفعت ثمن صراع لم تكن صاحبة القرار فيه. بعد الحرب ستكون هناك روسيا جديدة، أكثر عداءً للغرب، أكثر اندفاعاً نحو بناء نظام موازٍ، وأكثر استعداداً لاستخدام القوة. أما أوروبا، فستخرج أضعف استراتيجياً، وأقل استقلالاً، وأكثر اعتماداً على أمريكا، لكنها فى الوقت ذاته أقل فائدة كحليف قوى، مما يفتح الباب أمام توترات داخل الحلف الغربى نفسه.
اندفعت أوروبا وراء أمريكا لمساندة أوكرانيا، وفى داخل العقل الأوروبى سنجد أن شبح هتلر لم يعد مجرد ذكرى تاريخية جامدة، بل صار عقدة سياسية حية تحكم السلوك الاستراتيجى للقارة منذ الحرب العالمية الثانية. أوروبا الحديثة بنيت على فكرة «لا تكرار للكابوس»، ولا تساهل مع أى زعيم مهووس بالقوة يحلم باستعادة أمجاد إمبراطورية. وعندما اندلعت الحرب فى أوكرانيا، جرى إسقاط هذه الصورة على بوتين.
فى الخطاب السياسى والإعلامى الأوروبى، لم يُقدّم بوتين باعتباره منافساً جيوسياسياً يمكن احتواؤه، بل كنسخة حديثة من الديكتاتور التوسّعى الذى إن لم يوقف عند حدود أوكرانيا، فسيمضى أبعد. هذا التشبيه لم يكن بريئاً، بل لعب دوراً نفسياً حاسماً فى شل أى نقاش عقلانى حول الخيارات البديلة، والتفاوض، أو الحياد، أو التوازن بين الردع والمصالح. فبمجرد استدعاء هتلر إلى الطاولة، يصبح أى تردّد أخلاقى مشبوهاً، وأى صوت معارض يوصم بأنه استرضاء.
التقى هذا الخوف التاريخى مع سردية أمريكية جاهزة، فأمريكا التى لا تحمل العبء النفسى ذاته للحرب العالمية الثانية على أراضيها، أحسنت توظيف العقدة الأوروبية. أعادت واشنطن إحياء خطاب منع تكرار الثلاثينات، وتركت أوروبا تدفع الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
تحول الخوف من هتلر إلى أداة تعبئة تخدم استراتيجية أوسع لن تتحمل أوروبا تبعاتها.