لا تُقاس الأعمال الفنية التى تتصدى لكتابة السِّيَر الذاتية للشخصيات الاستثنائية بمدى جرأتها فى اقتحام الحياة الخاصة، بل بقدرتها على الاقتراب من جوهر النبوغ ذاته. فالسيرة حين تُكتب بوعى فنى حقيقى، لا تكون تجميعاً للوقائع، ولا فضحاً للعيوب، وإنما محاولة جادة للإجابة عن أسئلة كبرى: كيف يولد التفوق؟ وكيف يشق النابغة طريقه من العتمة إلى القمة؟ وكيف يظل، حتى بعد الرحيل، الأشد حضوراً وتأثيراً؟ وكيف يحافظ على فرادته وسط المنافسة والمؤامرات وصراع المصالح؟.
من هذا المنطلق، فإن أى عمل يتناول سيرة السيدة أم كلثوم لا يملك رفاهية التعامل معها بوصفها شخصية درامية عادية، بل بوصفها ظاهرة فنية وثقافية نادرة، أسهمت فى تشكيل وجدان أمة كاملة، وصاغت ذائقتها، وأعادت تعريف معنى الفن ذاته.
ولا يمكن مناقشة سيرة أم كلثوم فنياً دون التوقف عند موقعها فى الذاكرة الموسيقية العالمية، لا العربية وحدها. فقد صنّفها الناقد الموسيقى الأمريكى ويل هيرميس ضمن أعظم مئتى مُغنٍ فى تاريخ البشرية فى تصنيف مجلة «رولنج ستون» واصفاً إياها بأنها «روح العالم العربى بأسره»، ومؤكداً أنه لا يوجد لها مكافئ حقيقى فى الغرب من حيث التأثير والهيبة الموسيقية.
هذا الوصف ليس مجازاً أو مديحاً عابراً، بل حكم نقدى صادر عن مدرسة لا تعرف المجاملة الثقافية، يضع أم كلثوم فى مصاف الظواهر الفنية التى لا تُقاس بقدرات الصوت وحده، وإنما بقدرتها الفريدة على تشكيل الوجدان الجمعى لأمة بأكملها.
ومن هنا يفرض السؤال نفسه: كيف تعامل فيلم «الست» مع شخصية وُصفت عالمياً بأنها روح أمة، لا مجرد مطربة ناجحة؟ وكيف اختار أن يُفتش فى الهوامش، بينما أهمل تفكيك سر هذا التأثير الكاسح الذى لم تعرف له الموسيقى الغربية نظيراً؟
كان المنتظر من هذا الفيلم أن يبدأ من السؤال الجوهرى: كيف خرجت فتاة ريفية مجهولة من قرية نائية، داخل مجتمع شديد التحفظ، لتصبح الصوت الأول فى العالم العربى كله؟ كيف تعلّمت الموسيقى؟ من الذى درّبها؟ ما التحديات التى واجهتها فى مجتمع يضيّق الخناق على المرأة والصوت؟ أين مُعلمها الأول؟ وكيف تكوّنت ذائقتها الشعرية؟ وكيف امتلكت هذه القدرة النادرة على التمييز بين الكلمة العادية والكلمة الخالدة، بين اللحن العابر واللحن الذى يصنع تاريخاً، وبين العازف الماهر والعازف الذى يصلح أن يقف خلف صوتها؟
لكن الفيلم، بدلاً من أن يغوص فى رحلة التكوين الفنى، اختار التوقف طويلاً عند «النميمة» التى لا تفسّر التفرد، ولا تضيف إليه، ولا تكشف سره.
فلم نرَ تحليلاً حقيقياً لكيفية اختيارها للشعراء: أحمد رامى، وبيرم التونسى، وعبدالفتاح مصطفى، وغيرهم.
ولم نفهم لماذا ذهبت إلى قصائد أحمد شوقى، وكيف استطاعت أن تجعل قصيدة أبى فراس الحمدانى «أراك عصى الدمع» -بكل صعوبتها- أغنية جماهيرية، أو كيف حوّلت «الأطلال» لإبراهيم ناجى إلى أغنية القرن، وكيف آمنت بجيل جديد من الملحنين مثل بليغ حمدى.
والأدهى: لماذا غاب رياض السنباطى عن رحلة حياتها الفنية؟ أين أثره فى تشكيل صوتها عبر ألحانه، وهو الملحن الذى غنّت له قصائد خلّدها تاريخ الفن العربى؟ لم نجد شيئاً من هذا فى الفيلم؛ فقد غابت الورشة الفنية، وحضر بدلاً منها الاستسهال الدرامى، والتسطيح، والسقوط فى فخ الأكاذيب، تحت ذريعة أن لكل إنسان نقائص.
صحيح أن الشخصيات الكبرى ليست ملائكية، وأن تقديم العيوب قد يكون جزءاً من الصدق الفنى، لكن السؤال الحاسم يظل قائماً: ما وظيفة هذه العيوب داخل السرد؟ ما علاقة البخل، أو العصبية، أو التدخين، أو طريقة الكلام الريفية، أو حتى خلافاتها مع والدها، بفهم عبقريتها الغنائية؟.
فالعيب يكون درامياً فقط حين يهدد التفوق، أو يفسّر سقوطاً، أو يخلق صراعاً فنياً حقيقياً.
أما حين يُقدَّم بوصفه مادة إثارة، فهو لا يخدم السيرة، بل يسطّحها.
فلماذا يصبح هذا هو مركز الثقل الدرامى؟
ويبلغ العبث ذروته فى تلك اللقطات التى صوّر فيها الفيلم أم كلثوم وكأنها تُغنى مُكرهة من أجل الوطن، أو تُستدعى قسراً عبر مكالمة من أحد ضباط الثورة، فترتجف يدها! وهذه واحدة من أكثر أكاذيب الفيلم فجاجة.
لقد غيّب الفيلم أم كلثوم الحقيقية التى غنّت للوطن فى لحظات الانكسار، وحوّلت الحفلات إلى فعل مقاومة، وربطت صوتها بالكرامة الوطنية بعد الهزيمة.
هذا الجانب، الذى يُفترض أن يكون قلب السيرة النابض، جاء عابراً، بلا عمق، بلا تحليل، وكأنه تفصيل هامشى.
ويبقى السؤال الأخطر: هل يملك المؤلف الحق فى اختلاق وقائع عن شخصية حقيقية عاصرها الناس، وما زال شهودها أحياء؟
فالدراما ليست وثيقة، نعم، لكنها أيضاً ليست مساحة مفتوحة للكذب. والفرق واضح بين إعادة تخييل حدث تاريخى، وبين صناعة حدث لم يقع لتأكيد رؤية ذاتية أو إسقاط نفسى غير مُثبت.
حين تتحول السيرة إلى إسقاط أيديولوجى أو نفسى بلا سند تاريخى، يفقد العمل شرعيته الأخلاقية قبل الفنية.
لذلك، فإن فيلم «الست» لم يُخطئ لأنه اقترب من أم كلثوم، بل لأنه اقترب منها من الزاوية الخطأ.
اختار الهامش وترك المتن. انشغل بالشخصى المختلَف فيه وابتعد عن الفنى المتفَق عليه.
فتحوّلت أعظم مطربة فى تاريخ العرب إلى مادة جدل، بدل أن تكون مادة فهم، والسيرة الحقيقية لا تفضح العبقرى.. بل تشرح لنا لماذا كان عبقرياً.