الصين.. من قرن الذل إلى قرن العز
عندما يذكر النظام العالمي الجديد، توضع الصين في الكفة المقابلة لأمريكا، وعندما يدور الحديث حول صراع اقتصادي أو تكنولوجي او عسكري، يكون الحديث عن صراع بين الصين وأمريكا. استطاعت الصين خلال نصف القرن الماضي أن تصعد بخطوات واثقة إلى مصاف ومكانة الدولة العظمى. لم يكن صعودها إلى هذه المكانة في القرن الحادي والعشرين حدثا مفاجئا أو طفرة عابرة في مسار التاريخ، بل نتاج مسيرة طويلة بدأت من قاع الهزيمة، ومن تجربة مريرة عاشتها البلاد فيما يعرف بـقرن الذل الذي تحولت فيه الصين من إمبراطورية عريقة إلى دولة منهكة، منتهكة السيادة، تتقاسمها القوى الأجنبية.
امتد قرن الذل تقريبا من عام 1839 إلى 1949. تعرضت الصين خلاله إلى التدخلات الأجنبية بعد حروب غير متكافئة، وتم استعمارها جزئيا وفقدت السيادة على أراضيها وعانت من الإذلال السياسي والاقتصادي والعسكري. ابتكرت بريطانيا حرب الأفيون ضد الصين، في الفترة بين 1839–1842 و1856–1860 غزت بريطانيا بالأفيون كل مناطق الصين مما تسبب بإدمان واسع. عندما حاولت الصين منعه، شنت بريطانيا حربا عليها. هزمت الصين بسبب تفوق الغرب العسكري. وكانت النتيجة، فرض معاهدات قسرية وفتح الموانئ للتجارة الأجنبية والتنازل عن هونج كونج لبريطانيا. وأجبرت الصين على توقيع معاهدات مهينة، مثل إعطاء الأجانب امتيازات خاصة وعدم خضوعهم للقوانين الصينية والسيطرة الاقتصادية الأجنبية غير المحدودة مما أفقد الصين سيادتها الفعلية.
لم تكن بريطانيا وحدها التي أهانت الصين، بل فرنسا وروسيا وألمانيا واليابان وأمريكا. كانت دولة كبيرة مباحة، كل دولة حصلت على نفوذ أو مناطق سيطرة داخل الصين. خسرت الصين تايوان وأجزاء أخرى. كانت الصدمة النفسية كبيرة للصينيين. انتشرت الفوضى الداخلية خلال تلك الفترة ونشبت ثورات داخلية دموية - تمرد تايبينج – بسبب ضعف أسرة تشينج الحاكمة، وانتشرت المجاعات والفقر الشديد.
أكثر من قرن كامل عانت فيه الصين من قهر الاستعمار وإهاناته، اطلقوا عليه قرن الذل. منذ حروب الأفيون في منتصف القرن التاسع عشر، دخلت الصين مرحلة غير مسبوقة من الانكسار. الهزيمة أمام القوى الغربية، ثم اليابان، لم تكن عسكرية فقط، بل حضارية وسيادية. تحولت الدولة إلى كيان ضعيف، عاجز عن حماية شعبه أو أراضيه، فيما تآكلت شرعية الحكم الإمبراطوري من الداخل. هذا الواقع خلق شعورا عميقا بالإهانة في الوعي الجمعي الصيني، شعورا لم يكن مجرد ذاكرة، بل جرحا مفتوحا ظل يؤثر في كل خيارات الصين لاحقا.
في بدايات القرن العشرين، انتفضت قوى صينية تناضل من أجل إنقاذ الدولة، ومن بين تلك القوى كان الشيوعيون بقيادة ماو تسي تونج، اصطدم الشيوعيون بالقوميين وانسحبوا من أمامهم قاطعين حوالي من 10 آلاف إلى 14 ألف كيلو متر بما أطلق عليه "المسيرة الطويلة" التي كانت انسحابا عسكريا ثوريا قام به الجيش الأحمر الصيني بقيادة ماو تسي تونج ورفاقه، هربا من حصار قوات الكومينتانج (القوميين)، وتحولت المسيرة من انسحاب ومن هزيمة عسكرية إلى أسطورة تأسيسية للدولة الصينية الحديثة.
استمرت المسيرة الطويلة من أكتوبر 1934 إلى أكتوبر 1935 أي حوالي 370 يوما أو قرابة عام كامل. خلال هذا العام، لم تكن مجرد مسيرة، بل معارك متواصلة وجوع وبرد وعبور جبال وأنهار وأمراض وإنهاك شديد. وعلى مدى المسافة التي قطعتها المسيرة، عبرت جبالا مغطاة بالثلوج ومستنقعات قاتلة وأنهارا بلا جسور ومناطق معادية وذلك سيرا على الأقدام. شارك في بداية المسيرة حوالي 86 ألف ثوري مقاتل، بينما كان عددهم في نهاية المسيرة ما بين 7 آلاف إلى 8 آلاف فقط، أي أن أكثر من 90% ممن شاركوا في المسيرة قتلوا أو ماتوا في المعارك أو من الجوع أو المرض أو تخلفوا عن المسير.
ورغم الخسائر الهائلة بقي النواة الصلبة من القادة وخرج ماو تسي تونج زعيما بلا منازع، وتشكل وعي ثوري قائم على الصبر والتضحية والاعتماد على الفلاحين ولهذا يقال في الصين، من لم يشارك في المسيرة الطويلة، لا يفهم معنى الثورة.
تحتفظ ذاكرة الصينيين باعتزاز بالمسيرة الطويلة التي تعد اختبارا للشرعية، ومن نجا منها يعتبر من مؤسسي الدولة، فهي الرابط النفسي بين قرن الذل والثورة وقرن العز، ولهذا تستحضر دائما في الخطاب الصيني المعاصر عند الحديث عن الصبر الاستراتيجي وتحمل الضغوط ومواجهة الغرب الاستعماري
انتصر الشيوعيون وجاءت الثورة الصينية بقيادة ماو تسي تون بوصفها نقطة التحول المفصلية.لم تكن الثورة مجرد صراع على السلطة، بل مشروعا وطنيا لإعادة بناء الدولة من الأساس، على أنقاض قرن كامل من الإذلال. في عام 1949، مع إعلان جمهورية الصين الشعبية، لم يكن ماو يعلن انتصار حزب على آخر، بل كان يعلن في الوعي الصيني نهاية قرن الذل وبداية استعادة السيادة الوطنية.
ينظر إلى ماو تسي تونج في الصين بوصفه الشخصية التي وحدت البلاد بعد عقود من التفكك والتي أنهت السيطرة الأجنبية وأعادت للدولة مركزيتها وهيبتها وغرست فكرة أن الصين يجب أن تعتمد على نفسها. ربما تكون سياسات ماو الاقتصادية والاجتماعية محل جدل تاريخي، لكن تأثيره في إعادة بناء الكرامة الوطنية لا يمكن تجاهله، ففي عهده، تعلمت الصين درسها الأكبر، لا نهضة بلا سيادة، ولا تنمية بلا دولة قوية.
كان طريق الصين طويلا نحو العز والقوة والجاه. لم يكن الانتقال من الذل إلى العز فوريا. فبعد ماو، دخلت الصين مرحلة جديدة، خاصة مع إصلاحات دنج شياو بينج ، التي استفادت من الاستقرار السياسي الذي أسسته الثورة، وانطلقت نحو بناء اقتصاد قوي والانفتاح المدروس على العالم وتطوير الصناعة والتكنولوجيا، فتحولت الثورة من فعل تحرري إلى قاعدة صلبة للتنمية الحديثة. تبدو الصين نقيضا كاملا لما كانت عليه في قرن الذل، اقتصادها الثاني عالميا، تعمل على تقدم تكنولوجي متسارع، وتحظى بنفوذ سياسي متنام، وتتمتع بثقة وطنية عالية. صارت تقارع قوى استعمرت العالم وتراكمت ثرواتها وألاعيبها.
اللافت أن الخطاب الصيني الرسمي لا يزال يستحضر قرن الذل، لا للبكاء على الماضي، بل لتبرير الحاضر للأجيال المعاصرة، والتشبث بالسيادة، ورفض الهيمنة، والسعي إلى القوة. وبين الذل والعز درس التاريخ الصيني.
تؤكد التجربة الصينية أن الذل لا يولد الاستسلام بالضرورة والهزيمة قد تكون بداية وعي جديد والثورات، حين تكون وطنية الجذور، قد تعيد صياغة التاريخ. من أمة أُجبرت على الانحناء، إلى دولة تفرض احترامها في النظام الدولي، قطعت الصين رحلة طويلة، كانت الثورة بقيادة ماو تسي تونج محطتها الحاسمة.
إن قرن العز الذي تعيشه الصين اليوم لا يمكن فهمه دون استيعاب قرن الذل الذي سبقه، ولا دون إدراك الدور التاريخي للثورة الصينية في كسر حلقة الإهانة. فالصين الحديثة لم تبن على نسيان الماضي، بل على مواجهته، وتحويله إلى دافع للقوة.
هكذا تكتب الأمم الكبرى تاريخها، صفحات كتباها بين الفقر والغنى، بين الجوع والرفاهية، بين الضعف والقوة، بين التخلف والتقدم، لكن السمة المشتركة التي تجمع الأمم الكبرى، أنها أمم مقاومة، لا تستسلم لما يحيق بها من نكسات أو أخطار.