دولة التلاوة.. إشكالية التقليد والإبداع
من النقد الموجّه إلى برنامج «دولة التلاوة» أن المتسابقين يميلون إلى التقليد، وهذه بعض الملاحظات حول هذا الأمر:
الأولى: لا شك أن القارئ -وكذا أى إنسان فى مجاله- ينبغى أن يمتلك شخصية مستقلة، والقارئ المتميز لا يكون أسيراً لغيره، ولا يكون صوته مجرد ترديد صدى أصوات من سبقوه، هذا ككلام مجرد عام لا يختلف عليه اثنان، ومع ذلك فإن الحديث عن التقليد بالتعميم قول متسرع وعارٍ من الصحة.
الثانية: أن مسألة التقليد لها إيجابية مهمة جداً، لأن التقليد يُسهم فى إحياء ذكرى القراء الكبار، ويحفظ أساليبهم من الاندثار، ويجعل أسماءهم حاضرة فى الوعى الجمعى للأمة، فحين يقلد قارئٌ قارئاً فهذا يؤكد امتداد أثره، وأن بصمته لم تنقطع، وعندنا نموذج فى المشايخ: أحمد نعينع وياسر الشرقاوى وفتحى المليجى وشعبان الصياد، وقد كنت فى ندوة هذا الأسبوع بأسيوط وافتتح الندوة قارئ تسمعه كأنه الطبلاوى وُلد من جديد، كما أن التقليد فى مراحله الأولى يُعد وسيلة تعليمية مشروعة، لأنه لا يمكن للمتعلم أن ينطلق إلى التميّز دون أن يمر بمرحلة التأثر أو المحاكاة.
الثالثة: يشهد الواقع أن عدداً من القراء الكبار لم يولدوا متفرّدين تماماً، بل تأثروا بمن سبقهم قبل أن تتبلور شخصيتهم المستقلة، وهذا يؤكد أن عدداً من شباب دولة التلاوة نتوقع لهم شخصية مستقلة ومدرسة خاصة، والذى يقرأ القرآن الآن بهذه الصورة، لا نستبعد بعد 10 سنوات مثلاً أن يأتى بما لم يأتِ بمدرسة مستقلة خالصة.
الرابعة: ليس مطلوباً البحث عن منشاوى جديد، والدخول فى مقارنات خاصة، بل المطلوب البحث عن الإبداع والمسار المتميز، واحترام التراث القرآنى والانتفاع به، وهو ما حقّقه البرنامج بالفعل.
الخامسة: أن الإتيان بأسلوب جديد ومختلف من متسابقى «دولة التلاوة» على نحو يوازى أو يقترب من القامات الكبرى كرفعت والشعشاعى والبنا، ليس بالأمر اليسير السهل، بل فى حقيقته موهبة ربانية، يهبها الله لمن يشاء، ثم تحتاج بعد ذلك إلى بيئة صالحة ترعاها.
السادسة: أن السابقين سدّوا الطريق على من بعدهم، وضيّقوه وصعبوه جداً، لأنهم بلغوا من الفرادة والإتقان والتفوق منزلة جعلت المهمة أشد صعوبة على من يأتى بعدهم، ولو كان المطلوب مجرد العثور على قارئ غير متأثر برفعت أو الحصرى مثلاً لكان الأمر هيناً، لكن الإشكال أنك تطلب قارئاً لم يتشكل وجدانه ولا أداؤه من بعيد أو قريب لا بمحمد رفعت ولا المنشاوى، ولا عبدالباسط، ولا حمدى زامل، ولا شعيشع، ولا الشحات أنور، ولا منصور بدار، ولا البهتيمى، ولا على محمود، ولا مصطفى إسماعيل، ولا محمود عبدالحكم، ولا الفشنى، ولا منصور الشامى الدمنهورى، ولا البنا، ولا الطبلاوى، ولا عبدالعظيم زاهر، ولا الشعشاعى.
وهذا مطلب بالغ التعقيد، ومع ذلك ظهرت فى البرنامج (نعم من الله) بتعبير الدكتور الطناحى، من خلال أصوات تحمل بذور التفرّد والخصوصية، وتبشر بلمعان جديد فى سماء التلاوة المصرية، مما يؤكد أن العطاء لم ينقطع، وأن الموهبة الصادقة قادرة دائماً على أن تشق طريقها مهما ازدحمت القامات، وأن مصر كانت وما زالت (دولة التلاوة).