حيلتي السرية في 2025 - 2026

رحاب لؤي

رحاب لؤي

كاتب صحفي

تعلمت هذا العام شيئاً جديداً، يمكننى أن أصفه بـ«السهل الممتنع»، كنز ثمين من دون مبالغة، أرغب بكل صدق فى أن أحمله معى من العام 2025 إلى العام 2026 إن كتب الله لى الحياة، حدث ذلك بالصدفة البحتة لكن دعنى أحكى القصة من بدايتها.

بدأ كل شىء فى ذلك اليوم، حين اكتشفت أن كل الأمور خرجت عن السيطرة، الأحداث تفلت من بين يدى، لكن الأمر الأكثر قسوة كان انفعالاتى، فجأة صارت كبركان ينفجر من دون مقدّمات ويواصل قذف الحمم بلا حدود، حتى أفقت على حقيقة مرعبة، أدركت أن نهايتى ربما تكون مع واحدة من تلك الثورات التى أفقد فيها السيطرة كلياً على غضبى، فأصرخ من دون توقف، مع استعداد تام للاشتباك على طريقة «فايت أو فلايت» أو «اشتبك أو اهرب».. ثم ماذا؟

حاولت العثور على إجابة لعلى أجد حلاً نهائياً لتلك الانفجارات، انطلقت أقرأ كالمحمومة، وأستمع إلى كم لانهائى من أحاديث الأطباء النفسيين والمعالجين، حتى صادفت ذلك المقطع للطبيب النفسى الشهير جابور ماتيه، وهو يتحدّث عن ردود الفعل العنيفة على الاستفزاز، كان يتحدث بهدوء وبنبرة رتيبة عن أن المشكلة ليست فى الاستفزاز فهو موجود طوال الوقت، ولكن فى كل تلك الأشياء التى نحملها فى صدورنا وتجعلنا على شفا حفرة، مع أى شرارة بسيطة يندلع حريق هائل، هكذا من دون مقدمات.

هذا كله كلام عظيم، لكن ما الكنز الذى أتحدث عنه؟ حسناً، الكنز كان ذلك «الحل الطارئ» الذى بحثت عنه، فكما يُسكن البارستيمول الألم، ويطهر البيتادين الجروح، تحتاج النفوس إلى حل سريع فى حالات الطوارئ، لكن ما هو؟ عثرت عليه أخيراً كتوصية رئيسية فى كتاب بعد آخر، بدأت القصة مع كتاب «الحضور» ثم «جسدك يتذكر كل شىء»، يقولون إن أثره سحرى، وإنه بمثابة مهدّئ فورى وقوى جداً، أتحدّث هنا عن «التنفس العميق».

«اسأل مجرب ولا تسأل طبيب»، قد يبدو الأمر عبثياً للبعض، لكن من ذاق عرف، ومن جرب شعور الراحة الفورى اللطيف ذلك، هو الأقدر على الإجابة، لذا دعنى أشرح لك، يبدو الأمر كعقل يغلى، هكذا تقرّر أنك سوف تلتقط أنفاسك، على طريقة أربعة أربعة، أربع ثوانٍ للشهيق، ثم تُبقى الأكسجين فى رئتيك وجسدك 4 ثوانٍ، ثم تزفر بهدوء فى أربع ثوانٍ، ثم تبقى من دون شهيق أو زفير لأربع ثوانٍ أخرى.. هذا قادر على إطفاء حرائق نفسية عائلة، تقول الأبحاث العلمية إن ذلك الفعل البسيط والمجانى تماماً، قادر على «فصل» الجهاز العصبى فى الجسم تحديداً تقليل نشاط الجهاز العصبى الودى، هكذا يقل ضغط الدم، وتتراجع سرعة ضربات القلب، يهدأ العقل، ويتنفس الجسد، ويبدأ الكثير من الآثار الطيبة فى التوالى، توتر أقل، مزاج أفضل، تركيز أعلى، نوم أعمق، عضلات أكثر ارتخاءً، والأهم من هذا كله هو تلك الحالة.

بدا الأمر بالنسبة لى كزر «توقف مؤقت» يمكن الضغط عليه فى الرأس، هكذا يتحول الصخب إلى ضوضاء بيضاء فى الخلفية، ويصير الغضب أمراً قابلاً للتحكم والتأجيل وربما الإلغاء، ينشرح الصدر ويرتفع المرء فوق موضع ببضعة أمتار.. مسألة يصفها البعض بـ«الدماغ العالية»، والأمر هنا لا يستلزم أى شىء بخلاف هواء نظيف وقرار حاسم ونهائى أنه لا بد من حل حقيقى، لا شىء يستحق الانتباه والتركيز والطاقة سوى تلك اللحظة، الآن وهنا، ذلك النفس العميق قادر على جلبك من براثن الماضى بذكرياته الحزينة، وقادر أيضاً على انتشالك من دوامات التفكير فى المستقبل، يضع فى ملكك الكامل والنهائى، الآن وهنا، لحظتك العظيمة الاستثنائية التى تمضى كبقية العمر فى بعض الأحيان من دون استيعاب حقيقى لما تعنيه هاتان الكلمتان الجبارتان.. الآن وهنا.