هل ضاعت أوكرانيا؟

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

عندما بدأت الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير عام 2022، أي ما يقرب من أربع سنوات، لم يكن أحد يتوقع استمرارها هذه المدة. حتى أن الرئيس الأمريكي وقتها، بايدن قال إن روسيا ستلتهم أوكرانيا في 96 ساعة، أي أربعة أيام. هل كان بايدن صادقا في كلامه وتوقعاته، أم كان يمارس الخداع! لكن تاريخ الاتحاد السوفييتي كان يؤكد كلام بايدن، فقد التهم المجر عام 1956 في أيام والتهم تشكوسلوفاكيا عام 1968 كذلك. هل كانت الآلة العسكرية السوفيتية أقوى؟ أم أنه في ذلك الوقت لم تتدخل أمريكا وأوروبا لاستنزاف السوفييت؟ لو كانت أمريكا وأوروبا تدخلتا وقتذاك لاندلعت الحرب النووية، لكن التعامل وقتها كان مختلفا. نحن الآن بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وصارت روسيا وحدها، صحيح هي دولة كبيرة وتملك أكبر ترسانة نووية، لكن الحروب تتطلب اقتصادا قويا وهو ما اعتقد الغرب أن روسيا تفتقده. أرادوا استنزاف روسيا لكن اللافت أن بلاد الدببة ستخرج من الحرب منتصرة وقوية على عكس ما خطط لها أو تصوره الغرب.

الحرب الأوكرانية ليست حرب حدود أو صراع عسكري تقليدي فحسب، بل انعكاس مكثف لتحولات النظام الدولي وصدام المصالح بين قوى كبرى، دفع ثمنها شعب وجد نفسه في قلب جغرافيا لا ترحم. أوكرانيا، في هذا المعنى، لم تضع فقط بسبب عامل واحد، بل تاهت بين إرادات متناقضة، غرب يرى فيها خط تماس متقدم، وروسيا تراها عمقا تاريخيا وأمنيا، ونخبة داخلية راهنت على الخارج أكثر مما راهنت على توازن الداخل. بعد تفكك الاتحاد السوفييتي خاضت روسيا حروبا من أجل ضبط حدودها مع دول كانت ضمن الاتحاد، ومنها جورجيا، وربما وقتها أراد الغرب جس نبض الدب الروسي، لكن الآن أبرزت روسيا أنيابها مكشرة عن رغبة في استعادة الماضي والتربع على قمة النظام الدولي مشاركة، وليس تابعة.

أما أوكرانيا فقد عاشت منذ انفصالها عن الاتحاد السوفييتي بعد تفككه حالة شد وجذب بين الشرق والغرب وهي ذات موقع جغرافي فريد يصنف ضمن رقعة الشطرنج الكبرى التي قال بها بريزينسكي. لم تحسم هويتها السياسية والاقتصادية بشكل نهائي، وبقيت معلقة بين نموذجين، النموذج الروسي الذي يقوم على المجال الحيوي والروابط التاريخية، والنموذج الغربي الذي يعد بالديمقراطية والاندماج الاقتصادي والأمني. هذا التردد لم يكن بريئا، بل غذته القوى الغربية التي رأت في أوكرانيا فرصة أكثر مما رأت فيها دولة يجب حمايتها من الانقسام. أمريكا وأوروبا تعاملتا مع أوكرانيا بوصفها ورقة ضغط في مواجهة روسيا، لا بوصفها كيانا يجب تحييده حفاظا على استقراره.

أما روسيا، فقد تصرفت انطلاقا من منطق القوة والذاكرة التاريخية، معتبرة أن أوكرانيا ليست مجرد جار، بل جزء من سرديتها القومية والتاريخية وأمنها الاستراتيجي. هذا المنطق جعل أي تقارب أوكراني مع حلف الناتو يقرأ في موسكو كتهديد وجودي، لا كممارسة سيادية لدولة مستقلة. هنا اصطدمت الرغبة الأوكرانية في الانفصال السياسي الكامل عن روسيا، بحقيقة الجغرافيا والتاريخ. القول إن الحرب دامت أربع سنوات من أجل استنزاف أوروبا وروسيا لصالح أمريكا ليس طرحا خاليا من المنطق السياسي، وإن كان لا يختصر الصورة كاملة. أمريكا خرجت بأقل الخسائر المباشرة، وحققت مكاسب استراتيجية واضحة، منها بنسبة ما إنهاك روسيا عسكريا واقتصاديا، إعادة توحيد أوروبا خلف القيادة الأمريكية، ودفع القارة العجوز إلى الاعتماد الأمني الكامل على واشنطن. في المقابل، أوروبا دفعت ثمنا اقتصاديًا باهظا، بينما تحولت أوكرانيا إلى ساحة صراع بالوكالة.

المفارقة المؤلمة أن أوكرانيا حاربت بشراسة دفاعا عن وحدة أراضيها، في الوقت الذي كانت فيه بعض السيناريوهات الدولية تتحدث منذ وقت مبكر عن تسويات إقليمية محتملة. هذا يطرح سؤالا أخلاقيا: لماذا كل هذا الدمار إذا كانت النتيجة النهائية تتضمن تنازلا عن جزء من الأرض؟ ولماذا لم يفتح باب التفاوض الجدي منذ البداية لتجنيب الشعب الأوكراني هذا الثمن الإنساني الهائل؟ الإجابة تكمن في أن الحرب لم تكن فقط حول الأرض، بل حول كسر الإرادات وإعادة رسم موازين القوة.

فكرة التعاون بين روسيا وأوكرانيا أو التوصل إلى صيغة سلافية مشتركة لم تكن مستحيلة نظريا، لكنها كانت تتطلب استقلال قرار أوكرانيا عن الاستقطاب الدولي، وهو ما لم يحدث. الغرب لم يشجع هذا المسار، لأنه لا يخدم مصالحه، وروسيا لم تثق به، لأنها ترى في أوكرانيا بوابة قد تفتح عليها من خصومها.

يمكن القول إن أوكرانيا كانت ضحية أكثر من كونها فاعلا كامل السيادة. ضحية موقعها، وضحية رهانات كبرى لا تتحكم بنتائجها، وضحية خطاب سياسي رفع سقف التوقعات دون أن يملك أدوات الحماية. الحرب لم تكن حتمية، لكن إدارتها جعلت السلام مستحيلا في لحظات كان فيه ممكنا. وما خسرته أوكرانيا لا يقاس فقط بالأراضي أو البنية التحتية، بل بثقة شعبها في النظام الدولي الذي وعده بالحماية، ثم تركه يدفع الفاتورة وحده.

في مرحلة ما بعد الحرب، لا تدخل أوكرانيا السلام بقدر ما تدخل منطقة رمادية، حيث لا نصر كامل ولا هزيمة نهائية، بل توازن هش تفرض فيه الوقائع بقوة الإرهاق لا بقوة القناعة. السيناريوهات المحتملة لا ترسم في كييف وحدها، ولا في موسكو فقط، بل في العواصم التي أدارت الصراع عن بعد، وتحديدا حيث تحسب الأرباح الاستراتيجية بعيدا عن كلفة الدم.

عندما تضع الحرب أوزارها ويدور الحديث عن السلام بعد المفاوضات، فإن سيناريوهات عدة مطروحة لمستقبل أوكرانيا، السيناريو الأول يقوم على تسوية إقليمية مقنعة، تجمد فيها خطوط التماس وتترك المناطق المتنازع عليها تحت سيطرة الأمر الواقع، دون اعتراف قانوني صريح. في هذا المشهد، تقدم التسوية للرأي العام الأوكراني بوصفها مرحلة انتقالية، بينما تسوق لروسيا على أنها انتصار أمني، وللغرب على أنها احتواء للصراع. هذا السيناريو لا ينهي الحرب بقدر ما يؤجلها، ويحول أوكرانيا إلى دولة مبتورة السيادة، تعيش على المساعدات وتحت هاجس تجدد القتال.

السيناريو الثاني يتمثل في إعادة تدوير أوكرانيا كدولة وظيفية داخل المنظومة الغربية، مع تسريع اندماجها الاقتصادي والعسكري دون انضمام كامل للناتو. هنا تضخ أموال إعادة الإعمار، لكن بشروط سياسية واقتصادية صارمة، تجعل القرار الأوكراني مرتهنا للداعمين. أوكرانيا في هذا السيناريو لا تستعيد استقلالها الحقيقي، بل تنتقل من مجال نفوذ إلى آخر، مع تغيير الراعي لا أكثر. أما روسيا، فتتكيف مع الخسائر وتعيد ترتيب أولوياتها شرقا وجنوبا، بعدما تكبدت الكثير عسكريا واقتصاديا من أجل حماية حدودها الغربية الملاصقة لأوروبا والتي تمثل لها مصدر تهديد كبير.

السيناريو الثالث، الأكثر خطورة، يقوم على سلام هش يتبعه تفكك داخلي بطيء. التعب المجتمعي، الخسائر البشرية، وتناقض الروايات حول جدوى الحرب قد تفتح الباب أمام انقسامات سياسية حادة داخل أوكرانيا. في هذه الحالة، تصبح الدولة نفسها ساحة صراع داخلي بين من يرى الحرب تضحية ضرورية، ومن يعتبرها مغامرة خاسرة فرضت من الخارج. هذا السيناريو يخدم خصوم أوكرانيا أكثر مما يخدمها، لأنه يضعفها من الداخل دون حاجة إلى تدخل عسكري مباشر.

أما السيناريو الرابع، والأقل احتمالا لكنه الأكثر عقلانية، فهو إعادة تعريف العلاقة بين روسيا وأوكرانيا على أساس أمني جديد، يقوم على الحياد الصارم، وضمانات دولية متبادلة، واعتراف واقعي بحقائق التاريخ والجغرافيا دون إنكار سيادة الدولة الأوكرانية. هذا المسار يتطلب شجاعة سياسية غير متوفرة حتى الآن، وتراجعا من القوى الكبرى عن منطق استخدام الدول الصغيرة كخطوط تماس. نجاح هذا السيناريو لا يعني عودة الثقة، لكنه يفتح باب التعايش بدل الاستنزاف.

في لن تكون أوكرانيا بعد الحرب كما كانت قبلها. الدولة التي خرجت من تحت الأنقاض ستواجه سؤالا وجوديا، هل كانت الحرب من أجل حماية الوطن، أم من أجل تثبيت موقعه في لعبة أمم لا ترحم الضعفاء؟

الجواب لن يكتب في الاتفاقيات وحدها، بل في ذاكرة شعب سيقارن دائما بين ما وعد به، وما حصل عليه فعليا. كان هذه الحرب خطوة مؤثرة في اتجاه النظام العالمي الجديد.