إسرائيل تنتقم من «المقدسيين».. آلاف المواطنين أصبحوا سجانين لأطفالهم

كتب: رؤى ممدوح

إسرائيل تنتقم من «المقدسيين».. آلاف المواطنين أصبحوا سجانين لأطفالهم

إسرائيل تنتقم من «المقدسيين».. آلاف المواطنين أصبحوا سجانين لأطفالهم

لا تقتصر سجون الاحتلال الإسرائيلى على تلك المبانى المظلمة المحاطة بجدران شاهقة وأسلاك شائكة وحراس مدجّجين بالسلاح يقبع داخلها رجال وشيوخ وشبان فلسطينيون، بل امتدت سجون الاحتلال إلى منازل الفلسطينيين فى ظاهرة تُسمى «الحبس المنزلى». ووفق عبدالناصر فروانة، الباحث المختص بشئون الأسرى، فإن هذا المصطلح يُقصد به احتجاز الطفل داخل البيت بشكل قسرى طوال الفترة التى تبحث فيها المحكمة الإسرائيلية فى ملفه، إلى حين انتهاء الإجراءات القضائية بحقه وإصدار المحكمة حكمها فى قضيته، والتى قد تكون بضعة أيام أو أسابيع، وقد تمتد إلى عدة شهور، وربما تصل فى بعض الأحيان إلى عام كامل أو أكثر، لافتاً إلى أنّ هذه الفترة لا تُحتسب من فترة الحكم الفعلى الذى يصدر لاحقاً بحق الطفل، ويُجبر الطفل خلال فترة الحبس المنزلى على عدم الخروج من البيت بتاتاً، بالإضافة إلى أنه فى بعض الأحيان يتم وضع أجهزة تتبع عبارة عن «سوار إلكترونى» مع «جى بى إس»، ونادراً ما يُسمح للطفل فى مراحل متقدمة، وبعد أشهر من الحبس المنزلى، بالتوجّه إلى المدرسة أو العيادة برفقة الكفيل، ذهاباً وإياباً.

وشرح «فروانة» معنى مصطلح «الحبس المنزلى»، إذ إنها ظاهرة بدأت منذ سنوات طويلة، وأخذت تظهر جلياً بعد موجة الاحتجاجات عقب خطف الطفل محمد أبوخضير وقتله عام 2014، والمشاركة الواسعة من جانب الأطفال الفلسطينيين فى الاحتجاجات حينها. وتتمثّل فى تحويل سلطات الاحتلال الإسرائيلى مئات البيوت الفلسطينية فى القدس إلى سجون لأبنائهم وبناتهم القُصّر، إذ جعلت هذه السلطات الآلاف من أفراد العائلات المقدسية رغماً عنهم سجانين على أطفالهم، حيث يقيّدون حركتهم، ويتابعون نشاطاتهم، ويراقبون تحركاتهم، ويمنعونهم من تجاوز البوابة الخارجية للمنزل، وذلك تنفيذاً لشروط الإفراج التى فرضتها عليهم محاكم الاحتلال، مشيراً إلى أنّ تجربة الحبس المنزلى قد تتكرّر لدى الأسرة، وفى حياة الطفل نفسه أكثر من مرة.

محمد أبو خضير

وحسب «فروانة»، فقد أصدرت سلطات الاحتلال 2200 قرار بالحبس المنزلى بين يناير 2018 ومارس 2022، بحق أطفال قصّر، 114 طفلاً منهم كانت أعمارهم تقل عن 12 عاماً، مقارنة بنحو 228 قراراً بالحبس المنزلى فى الفترة بين 2015 - 2017، وقد تم تحويل 70٪ من الأطفال المقدسيين الذين تم اعتقالهم خلال السنوات الأخيرة إلى الحبس المنزلى قبل البت فى قضاياهم، لافتاً إلى أنّ هناك نوعين من الحبس المنزلى. وتابع: «النوع الأول يبقى الطفل فى بيته وبين أفراد أسرته طوال الفترة المحدّدة، وفقاً لقرار المحكمة، إلى حين البت فى قضيته، أمّا النوع الثانى، وهو الأصعب، فيُبعد الطفل عن بيت الأسرة أو الحى ومنطقة السكن، وقد يكون الإبعاد إلى خارج حدود المدينة، ويُلزَم الطفل بالبقاء فى بيت بعيد يسكنه أحد الأصدقاء أو الأقارب، الأمر الذى يُشتت العائلة».

إحصاءات الحبس المنزلي والاعتقالات

وحول السبب فى قرار الحبس المنزلى، يوضح «فروانة» أن سلطات الاحتلال تلجأ إلى تلك العقوبة، فى محاولة منها للتحلل من مسئولياتها والتخفيف من عمليات اعتقال الأطفال وعدم إبقائهم داخل سجونها، نظراً إلى صغر سنهم، لا سيما من هم دون 14 عاماً، وذلك تجنّباً للانتقادات الحقوقية، وسعياً منها للحفاظ على صورتها الديمقراطية المزعومة أمام المجتمع الدولى، مُشدّداً على أن الحبس المنزلى يُعتبر إجراءً تعسّفياً وغير أخلاقى، ويتناقض بشكل صارخ مع قواعد وأحكام القانون الدولى الإنسانى والقانون الدولى لحقوق الإنسان التى منحت الكثير من الحقوق للأطفال، وفى مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 وتنص على ألا يتعرّض أى طفل للتعذيب أو أى عقوبة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة، ولا يجوز حرمان أى طفل من حريته بصورة تعسّفية أو غير قانونية، كما دعت اتفاقيات جنيف الأربع إلى أن يكون الأطفال خارج دائرة الاستهداف فى حالات النزاعات المسلحة وأن يتم تجنيبهم آثار الحروب.

وقال الناشط المقدسى أمجد أبوعصب، إن هناك آثاراً نفسية مدمّرة على الأطفال بسبب الحبس المنزلى: «الآثار المرافقة تتنوع بين توتر العلاقة بين الطفل وأهله نتيجة شعوره بأن أمه وأباه هما من يعتقلانه، وأن البيت الذى يُفترض أن يكون موقع الشعور بالأمان أصبح هو السجن. كما يترتب على الحبس المنزلى فى كثير من الأحيان حرمان الأطفال من حقهم فى التعليم، وخلق أوقات فراغ طويلة لديهم لا يعرفون كيف يقضونها، وشعورهم بالضغط وممارسة الرقابة الذاتية على أنفسهم»، بالإضافة إلى خلق الكثير من المشكلات النفسية لدى الأطفال الذين يمرون بتلك التجربة فى ما يتعلق بسلوكياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، ويسبّب لهم الكثير من الخوف والقلق واليأس والتوتر والعصبية والتبول اللاإرادى وفقدان الثقة بالأسرة، كما يُشكل خطراً على مسيرتهم التعليمية.

أمجد أبو عصب

ويتابع: «فى بعض المرات يتم منع الطفل من الخروج من البيت لأى سبب حتى فى حال مرضه يتم منعه من الذهاب إلى المستشفى ويبقى فى المنزل يواجه ألمه بمفرده لأن تكلفة جلب الطبيب إلى المنزل مرتفعة جداً، خاصة فى مدينة القدس المحتلة، وهناك أطفال يُفضّلون البقاء فى السجن على قرار الحبس المنزلى، وذلك لأن جميع الأسرى داخل السجن يعيشون الظروف نفسها، لكن فى الحبس المنزلى يقارن الطفل بين وضعه ووضع باقى أشقائه وزملائه الذين يتحرّكون بحرية»، موضحاً أنّ هذا القانون موجود منذ الانتداب البريطانى على فلسطين، وكان يُسمى «الإقامة الجبرية»، مشيراً إلى أنّه تُفرض غرامات مالية على الكفيل فى حال جاءت الشرطة إلى البيت ووجدت الطفل ولم تجد مرافقه معه، لافتاً إلى أنّ الأطفال المقدسيين هم الفئة الأكثر فى التعرّض للحبس المنزلى، كما تُلزم سلطات الاحتلال ذوى الأسير المنزلى بإيداع مبالغ مالية ضخمة فى صندوق المحكمة يتراوح من 5 إلى 10 آلاف دولار، حتى تضمن التزام الأهالى بتنفيذ التعليمات، وفى حال خالفوا ذلك تتم مصادرة هذه الأموال وفتح ملفات جنائية واعتقال الطفل وكفيله.