إشكاليات أمريكا مقابل مقايضات نتنياهو
رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو لن يحمل فى جعبته أى ملفات سرية على طاولة المفاوضات التى ستجمعه هذا الأسبوع مع الرئيس الأمريكى ترامب. الأدق أنها ملفات تتقاطع مع أولويات الإدارة الأمريكية التى ينحصر اهتمامها حالياً فى بدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة. رسائل مختلفة بين واشنطن وتل أبيب، خصوصاً مع تعزيز فريق ترامب التزامه بدفع ترتيبات المرحلة الثانية فى غزة بقيادة ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لترامب، الذى يريد تركيز اجتماعه مع نتنياهو على إعادة إعمار غزة، بينما الأخير يسعى إلى موافقة أمريكية على مهاجمة إيران. نتنياهو سيستهل زيارته بالمناورة والتلاعب، وهما المفتاح الرئيسى الذى يوجِّه سياساته، سواء على الصعيد الداخلى أو الخارجى. إذ وفق ما يتم نشره فى الإعلام الإسرائيلى، تحديداً موقع وللا الاستخبارى وموقع أكسيوس الأمريكى، نتنياهو سيقايض ترامب على البدء فى المرحلة الثانية من اتفاق غزة مقابل توجيه ضربات عسكرية لإيران بزعم مخاوف إسرائيل من التراكم السريع لإيران فى مجال الصواريخ الباليستية. سيناريوهات هذه الضربات تتراوح بين إعطاء إسرائيل الضوء الأخضر لتنفيذ العمليات بمفردها أو بدعم أمريكى محدد.
المواجهة مع إيران تضع المشهد السياسى الأمريكى أمام عدة إشكاليات. أولاً دخول أمريكا انتخابات التجديد النصفى العام المقبل التى تسمح بتجديد جميع مقاعد مجلس النواب بالإضافة إلى ثلث مقاعد مجلس الشيوخ، ثانياً ازدياد التوجه فى كلا الحزبين الجمهورى والديمقراطى نحو رفض هذه المقايضة من منطلق الامتناع عن الدخول فى مواجهة عسكرية فى الشرق الأوسط واختيار العقوبات والضغط السياسى بديلاً للعمل العسكرى. أما على الصعيد الخارجى فتبرز ردود الفعل المحتملة لأذرع إيران فى اليمن، العراق، لبنان، وهو ملف يحظى باهتمام الإدارة الأمريكية.
لقاء باريس الذى جمع بين مستشارين كبار من أمريكا، فرنسا، السعودية، لبنان، عقب انتهاء المرحلة الأولى من خطة الجيش اللبنانى سحب سلاح «حزب الله» فى جنوب الليطانى، وفق الإعلان الحازم الذى صدر عن رئيس الحكومة اللبنانية نواف إسلام والاستعداد للانتقال إلى المرحلة الثانية فى شمال الليطانى، ما يدعم القرار الحكومى بالتزام خطة حصر السلاح فى لبنان فى يد الدولة. فى المقابل الضربات العسكرية التى تلقَّاها «حزب الله» واغتيال عدد كبير من قادته بديهياً أضعف قدرات الحزب أمنياً وسياسياً. رغم ذلك يظل الحزب متمسكاً بموقفه الذى أكده الأمين العام نعيم قاسم وكبار قادته أن الحزب لن يتخلى عن سلاحه ولا عن دور المقاومة، رافضاً أى نقاش حول هذا الملف. كما ألمح فى إشارة واضحة إلى أن «صبر المقاومة ليس بلا حدود». «حزب الله» الذى يسعى لبناء قدراته بعدما نقل مركز ثقله اللوجيستى إلى وادى البقاع، ما زالت لديه قدرة على استخدام الأنفاق والإنتاج الذاتى من الصواريخ، بالإضافة إلى طرق الإمداد التى تعتمد على المساعدة الإيرانية المستمرة. مواصلة إسرائيل قصف لبنان رغم اتفاق وقف إطلاق النار قد تُعزز رواية «حزب الله» وتمنحه مبرراً للتشبث بالسلاح.
فى العراق أكدت عدة فصائل، على سبيل المثال لا الحصر عصائب أهل الحق، النجباء، كتائب «حزب الله»، رفضها أى نقاش يتعلق بحصر السلاح فى يد الدولة قبل خروج جميع القوات الأجنبية، مؤكدين على حقهم المشروع فى مقاومة، حسب تعبيرهم، «الاحتلال الأمريكى». هذه الفصائل العراقية الموالية لإيران قد تجد ذريعة فى أى عدوان إسرائيلى على إيران لتوجيه هجمات ضد القوات الأمريكية التى، وفق تصريحاتهم، «تنفذ المشروع الإسرائيلى فى تدمير العراق»، خصوصاً أن جوهر إشكالية السلاح فى العراق لا تكمن فى السلاح بحد ذاته، بل فى تراكم عقود على العراق فى غياب السيادة المكتملة.
فى اليمن تحرُّك المجلس الانتقالى الجنوبى الأخير قد يدفع احتمال اندلاع حرب أهلية فى ظل انقسامات داخل التحالف الحكومى. ما يرفع سقف طموحات الحوثيين فى إعادة الهجمات الصاروخية على إسرائيل أو تهديد الملاحة فى البحر الأحمر. الحوثيون تعهّدوا بتوسيع رقعة سيطرتهم لتشمل المناطق المنتجة للنفط والغاز شرق اليمن، كما كثفوا إنتاجهم المحلى لتوسيع ترسانتهم من الأسلحة التقليدية حتى باتوا قادرين على تجميع الصواريخ الباليستية وتصنيع مُسيرات قصيرة المدى، بالإضافة إلى خطاب جماعة الحوثى الذى يؤكد على الاستمرار فى مواجهة إسرائيل، بالتالى الهجوم على إيران سيعطى مبرراً لاستئناف الهجمات الصاروخية.
تراجُع القوة العسكرية نتيجة الضربات الأمريكية الإسرائيلية قد يُضعف ما أُطلق عليه «الأذرع الإيرانية»، لكنه لا يعنى نهاية الهوية السياسية والدينية التى تنتمى إليها هذه الجماعات فى الثلاث دول العربية، خصوصاً مع غياب إيران عن المشاركة فى تسوية إقليمية. فى هذا السياق قد تفهم قدرة إيران المحتملة على إعادة تشكيل قوة أذرعها بعدما أدى إضعافها إلى الحد من نفوذ إيران فى المنطقة