كيف نصنع دراما عظيمة تحمل القيم؟
فى ذكرى مرور 12 سنة على رحيله، وفى زمنٍ تتزاحم فيه الشاشات بالأعمال السريعة والإنتاجات التجارية، يحنّ المشاهد العربى إلى تلك الدراما التى لم تكن مجرد تسلية، بل كانت مدرسة للوعى والوجدان والهوية. دراما مثل: «ليالى الحلمية، رأفت الهجان، المال والبنون، محمد رسول الله، بوابة الحلوانى، أم كلثوم، الوسية، وزيزينيا»، وغيرها من الأعمال التى خرجت من رحم قطاع الإنتاج باتحاد الإذاعة والتليفزيون، تحت قيادة المنتج الكبير الراحل ممدوح الليثى، الذى لم يكن مجرد إدارى ناجح، بل صاحب رؤية ثقافية وفنية آمن بأن الدراما رسالة قبل أن تكون صناعة.
فكيف نستطيع اليوم أن ننتج أعمالاً درامية عظيمة تحمل نفس العمق والقيمة؟
أولاً: الرؤية قبل الميزانية
الدراما العظيمة تبدأ برؤية واضحة: ماذا نريد أن نقول؟ وما الرسالة التى نريد إيصالها للمجتمع؟
ممدوح الليثى لم يكن يبحث فقط عن نسب مشاهدة، بل عن أعمال تعيش لعقود. «ليالى الحلمية» لم يكن مجرد حكاية أسر، بل مرآة لتاريخ مصر الاجتماعى والسياسى. «رأفت الهجان» لم يكن فقط قصة جاسوس، بل ملحمة عن الانتماء والهوية الوطنية.
إذاً، المطلوب اليوم هو أن يمتلك المنتج وصُنّاع العمل مشروعاً فكرياً، لا مجرد فكرة تجارية موسمية.
ثانياً: النص هو الأساس
كل الأعمال الخالدة التى نذكرها قامت على نصوص قوية كتبها كبار الكتّاب: أسامة أنور عكاشة، صالح مرسى، يسرى الجندى، وغيرهم.
النص لم يكن مجرد حوار، بل بناء درامى متماسك، وشخصيات حقيقية من لحم ودم، وصراع يعكس أسئلة المجتمع.
لإنتاج دراما عظيمة اليوم، لا بد من:
■ الاستثمار فى تطوير السيناريو.
■ إعطاء الكاتب الوقت والمساحة للإبداع.
■ عدم التضحية بجودة النص لصالح السرعة أو عدد الحلقات.
فمن دون نص عظيم، لن ينقذ العمل أى إخراج أو نجومية.
ثالثاً: اختيار المبدعين لا النجوم فقط
قطاع الإنتاج فى عصره الذهبى راهن على الموهبة والرؤية قبل «شباك التذاكر».
رأينا ممثلين كباراً يصنعون تاريخهم من خلال هذه الأعمال، لأن الأدوار كانت عميقة، والمخرجين أصحاب مشروع مثل إسماعيل عبدالحافظ، يحيى العلمى، إنعام محمد على، وغيرهم.
الدراما العظيمة تحتاج إلى:
■ مخرج يؤمن بالنص ويعرف كيف يحوله إلى لغة بصرية مؤثرة.
■ ممثلين قادرين على تجسيد الشخصية لا استعراض أنفسهم.
■ فريق عمل متكامل يشعر أن ما يقدمه رسالة.
رابعاً: القيم داخل الدراما لا فوقها
ما ميّز أعمالاً مثل: «المال والبنون» أو «محمد رسول الله» أنها لم ترفع شعارات مباشرة، بل قدّمت القيم من خلال الدراما نفسها: الصدق، الأمانة، الصراع بين الحق والباطل، معنى العائلة، الوطن، الإيمان، والاختيار الإنسانى.
الدراما العظيمة لا تُلقى مواعظ، بل:
■ تطرح أسئلة.
■ تعرض نماذج بشرية متناقضة.
■ تترك للمشاهد أن يتأمل ويختار.
وهنا يكمن الفارق بين عمل يعيش فى الذاكرة، وآخر يُنسى بانتهاء موسمه.
خامساً: احترام عقل ووجدان الجمهور
ممدوح الليثى كان يؤمن بأن الجمهور ليس ساذجاً، وأن المشاهد العربى يستحق عملاً راقياً يحترم وعيه وثقافته. لذلك جاءت الأعمال غنية بالتاريخ، والسياسة، والفكر، دون تبسيط مخل أو افتعال.
إنتاج دراما عظيمة اليوم يتطلب:
■ عدم الاستخفاف بالمشاهد.
■ تقديم محتوى يضيف معرفة ومتعة فى آن واحد.
■ الابتعاد عن الاستسهال والابتذال.
سادساً: الإنتاج كحاضنة للإبداع لا كقيد عليه
قطاع الإنتاج فى زمنه كان مظلة تحمى المبدعين، وتوفر لهم الإمكانات، وتمنحهم الثقة لتقديم أعمال ضخمة من حيث الديكور، الملابس، مواقع التصوير، والمجاميع.
لكى نعيد هذه الروح:
■ يجب أن يكون المنتج شريكاً إبداعياً لا مجرد ممول.
■ يوازن بين الإدارة والحرية الفنية.
■ يتحمل مسئولية المخاطرة من أجل عمل ذى قيمة.
فالدراما العظيمة تحتاج شجاعة إنتاجية.
سابعاً: الارتباط بالواقع والتاريخ
الأعمال الخالدة لم تكن معزولة عن واقعها:
«ليالى الحلمية» رصد تحولات المجتمع، «رأفت الهجان» أعاد كتابة جزء من التاريخ الوطنى، «المال والبنون» ناقش تحولات القيم مع صعود المال.
الدراما العظيمة اليوم ينبغى أن:
▪ تنبع من قضايا الناس الحقيقية.
▪ تعكس هموم المجتمع وتناقضاته.
■ تعيد قراءة التاريخ بوعى معاصر.
ثامناً: الإيمان بأن الدراما قوة ناعمة
ممدوح الليثى تعامل مع الدراما كجزء من مشروع ثقافى وطنى.
كانت الأعمال المصرية تصل لكل بيت عربى، وتشكّل الوعى واللغة والوجدان.
إنتاج أعمال عظيمة اليوم يتطلب أن نؤمن بأن:
■ الدراما ليست ترفيهاً فقط.
■ بل قوة ناعمة تصنع صورة المجتمع وتؤثر فى الأجيال.
■ وأن الاستثمار فيها هو استثمار فى الإنسان.
خاتمة: من الذاكرة إلى المستقبل
إن تجربة ممدوح الليثى وقطاع الإنتاج ليست مجرد حنين للماضى، بل خريطة طريق للمستقبل.
هى تقول لنا إن الدراما العظيمة تُصنع عندما يجتمع: رؤية فكرية، نص قوى، مبدعون حقيقيون، إنتاج واعٍ، واحترام للجمهور.
ربما تغيّرت المنصات، وتسارعت الإيقاعات، وتبدلت الأذواق، لكن الحاجة إلى دراما صادقة تحمل القيم وتخاطب العقل والقلب معاً لم تتغير. وإذا أردنا أن نعيد للدراما العربية مجدها، فعلينا ألا نسأل:
كيف ننتج أكثر؟ بل: كيف ننتج ما يستحق أن يُعاش ويُتذكر؟.