لغز ارتفاع ديون الدول الغنية (3)

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

توجد عدة فروق بين ديون الدول الغنية، والتى يطلق عليها خبراء الاقتصاد الديون الذكية، وديون الدول الفقيرة، أو الديون الاضطرارية، ويمكن تلخيص هذه الفروق تحت عدة عناوين رئيسية كالتالى:
أولاً: من حيث «طبيعة الدين وأهدافه»، نجده فى الدول المتقدمة والغنية، يمثل أداة استراتيجية لتحقيق أهداف تنموية واقتصادية طويلة الأمد، بينما فى الدول النامية غالباً ما يكون الدين وسيلة لسد العجز اليومى، أو تمويل الواردات الأساسية.
ثانياً: من ناحية «القدرة على الإدارة»، تمتلك الدول المتقدمة مؤسسات مالية قوية، وسياسات مالية ونقدية متطورة، تمكنها من إدارة الدين بكفاءة، فيما يفتقر الكثير من الدول النامية لهذه المؤسسات، ولا تتمتع بالقدرات الإدارية اللازمة، التى تمكّنها من التعامل مع هذا الملف بالكفاءة المطلوبة.
ثالثاً: بالنسبة لـ«تكلفة الاقتراض»، تتمتع الدول المتقدمة والغنية بتصنيفات ائتمانية عالية، تسمح لها بالاقتراض بأسعار فائدة منخفضة، بينما تخضع الدول النامية لأسعار فائدة مرتفعة، تزيد من أعباء الدين، وتحد من قدرتها على السداد المنتظم.
رابعاً: بخصوص «مصادر التمويل» تعتمد الدول المتقدمة على أسواق مالية (داخلية وخارجية) عميقة ومتنوعة للاقتراض، فى حين تعتمد الدول النامية غالباً على مصادر تمويل محدودة، وبشروط صارمة تفرضها المؤسسات الدولية.
خامساً: فيما يتعلق بـ«المرونة فى إعادة الهيكلة»، تتمتع الدول المتقدمة بمرونة أكبر فى إعادة هيكلة ديونها، وتعديل شروطها بما يتناسب مع الظروف الاقتصادية المتغيرة، فى حين تواجه الدول النامية صعوبات كبيرة فى إعادة التفاوض على جدولة ديونها، أو محاولة خفضها.
ورغم المزايا التى توفرها سياسات الاقتراض للدول المتقدمة والغنية، فإن هناك حدوداً يجب مراعاتها لضمان استدامة هذه السياسات، حتى لا يمثل الدين تهديداً، ليس على مستوى الاقتصاد فقط، ولكن على المستوى السياسى أيضاً.
ومن بين هذه الحدود، عدم ارتفاع كلفة خدمة الدين، فعندما ترتفع مدفوعات خدمة الدين (الفوائد وأقساط السداد، نسبة إلى الموازنة العامة لأى دولة)، فإنها تفتقد القدرة على تمويل الخدمات العامة لمواطنيها، أو توفير الاستثمارات التنموية المطلوبة.
والاعتماد المفرط على الاقتراض، قد يؤدى إلى تأجيل الإصلاحات الهيكلية الضرورية فى النظام الاقتصادى، ما يزيد من المخاطر على المدى الطويل.
وتظل الدول التى تعتمد بشكل كبير على الاقتراض الخارجى عرضة لتقلبات الأسواق المالية، خاصة عند حدوث أزمات عالمية، أو الارتفاع الحاد فى أسعار الفائدة.
كما تواجه العديد من الدول المتقدمة تحديات ديموجرافية، بسبب ارتفاع نسبة المسنين بين مواطنيها، ما يزيد من أعباء الإنفاق على الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية، ويضع ضغوطاً إضافية على سياساتها المالية.
ودائماً ما تفرض السياسات المالية القائمة على الاقتراض، أسئلة أخلاقية حول عدالة توزيع الأعباء المالية بين الأجيال، حيث يستفيد الجيل الحالى بفوائد الإنفاق، بينما تتحمل الأجيال القادمة أعباء سداد الديون.
بشكل عام، فإن سياسات الاقتراض فى الدول المتقدمة والغنية لا تعكس بالضرورة ضعفاً مالياً، أو توحى بوجود إدارة غير رشيدة، لكنها تمثل فى كثير من الأحيان خيارات استراتيجية مدروسة ضمن أنظمة مالية متطورة.
والفرق الجوهرى يكمن فى القدرة المؤسسية على إدارة الدين، وتوجيهه نحو أهداف تنموية حقيقية تضمن استدامة الاقتصاد على المدى الطويل.
وهذا لا يعنى أن هذه الدول فى مأمن من المخاطر، فمع استمرار تراكم الديون العالمية، وارتفاع التحديات الاقتصادية والجيوسياسية والمناخية، عليها أن تكون أكثر حذراً، وأن تبتكر سياسات مالية مغايرة.
ويرتبط النجاح بقدرة هذه الدول على تحقيق التوازن الدقيق، بين الاستفادة من مميزات الاقتراض فى تمويل التنمية والتحول الاقتصادى المطلوب، وبين الحفاظ على الاستدامة المالية، وسلامة المؤسسات الاقتصادية للأجيال القادمة.
فى النهاية، فإن الحكم على السياسات المالية للدول يتطلب فهماً دقيقاً للسياقات المؤسسية والاستراتيجيات الاقتصادية الكامنة وراء الأرقام المجردة.
الدين ليس شراً مطلقاً ولا خيراً مطلقاً، لكنه أداة ترتبط قيمتها ارتباطاً شرطياً بحكمة مَن يستخدمها والأهداف التى يسعى لتحقيقها.