فاروق الباز.. عبقرية مصرية أضاءت القمر

إنجى الطوخى

إنجى الطوخى

كاتب صحفي

يصف نجاحه الذى أبهر الجميع بأنه «حظ وفرصة» نجح فى اقتناصها، فصارت شهرته تسدّ الآفاق، ليس فقط فى مجال تخصصه، وهو الجيولوجيا، بل تخطّت حتى كوكب الأرض، لدرجة إطلاق اسمه على كويكب يقع بين المشترى والمريخ، صار معروفاً فى التاريخ باسم «كويكب فاروق الباز»، تكريماً لمجهوده العلمى العظيم، وأهمه تدريب رواد الفضاء خلال برنامج «أبولو» للهبوط على سطح القمر من عام 1967 وحتى عام 1972.

حديثه العلمى يشى بعبقرية، ولكنها عبقرية معجونة بصفات مصرية أصيلة من البساطة والصبر والمعافرة لتحقيق حلمه بالعمل فى مجال الجيولوجيا الاقتصادية، الذى أحبه وأتقنه، وغادر البلاد لأكثر من ست سنوات من 1958 وحتى 1964 للحصول على الماجستير والدكتوراه فيه من معهد ميسورى للمناجم والفلزات، ثم جامعة ميسورى للعلوم والتكنولوجيا فى الولايات المتحدة الأمريكية، ثم ترك كل الفرص التى حصل عليها، بما فيها التدريس فى جامعة هايدلبرغ فى ألمانيا، أملاً فى تأسيس أول مركز لدراسة الجيولوجيا الاقتصادية فى مصر.

هل نجح وقتها فى تحقيق حلمه البسيط بأن يؤسس لعلم جديد فى مصر فى فترة الستينات كى تواكب التطورات العلمية؟ لا، لم ينجح، رغم استيراده أكثر من أربعة آلاف طن من الصخور المختلفة على حسابه الشخصى، كى يدرس بها تلاميذه المرتقبون. هل استسلم بعد اصطدامه بالبيروقراطية التى طلبت منه أن يتخلى عن حلمه لتدريس الكيمياء؟ لا، لم يستسلم، فقد شرب من نهر النيل الذى غنّى له «منير» بأنه «بيجرى ويعافر». قرّر دكتور «فاروق» المعافرة، فظل عاماً كاملاً بين أروقة المسئولين يقنعهم بحلمه، بلا عمل، بلا مال، حتى إنه استدان لولادة ابنته، رغم المرتب الشهرى الكبير الذى سيحصل عليه لو عمل بغير مجاله، وهو مدرس فى مجال الكيمياء.

التصميم والمثابرة التى ورثها الفرعونى الصغير المولود عام 1938 كانت سلاحه عندما اختار السفر إلى الولايات المتحدة للبحث عن فرصة عمل فى مجاله الذى أحبه، رغم أنه لا يتقن الإنجليزية، ولا يعرف أحداً هناك سوى زوجته، يعمل «نقاشاً» فى «دهان» المنازل صباحاً دون خجل أو خوف، أما ليلاً فيرسل الخطاب تلو الآخر بحثاً عن فرصة عمل فى مجال الجيولوجيا، أكثر من 120 خطاباً لمختلف المؤسسات والكليات العلمية، أملاً فى الحصول على فرصة عمل تلائم طموحه، لم يشعر باليأس لحظة، ثم جاءته البشارة بالموافقة فى الخطاب الـ121 من وكالة «ناسا» بأن ينضم لفريق رحلة «أبولو» المقرر لها الهبوط على القمر، فكان هذا الفلاح البسيط ابن قرية «طوخ» بمحافظة القليوبية هو المصرى الوحيد بين فريق كامل من «الأمريكان»، بلا واسطة أو حتى جنسية أمريكية، بل فقط علمه.

وكان هذا النبوغ الواضح لـ«الباز»، ابن عالم الأزهر الجليل الشيخ سيد الباز، هو الذى جعل فريق الجيولوجيين العاملين معه يختارونه رئيس لجنة اختيار مواقع الهبوط على القمر، ثم رئيساً لفريق تدريب رواد الفضاء على الملاحظة والتصوير وجمع العينات من على سطح القمر، ولم ينسَ الفرعون المصرى تقليد المصريين فى تحصين ما يفعلونه بالآيات والتراتيل بكل قوة أملاً فى بركة الرب، وكما كانت تفعل والدته التى كانت تحصنه بالقرآن، أراد «الباز» حماية الرحلة بالعلم والدين، فمنح قائد الرحلة «نيل أرمسترونغ» صفحة بها سورة «الفاتحة» باللغتين العربية والإنجليزية، وبجانبها أسماء بناته «كريمة، ثريا، منيرة، فيروز»، لتكون أول ورقة تذهب إلى القمر.

ونجح «الباز» بالفعل مع رحلة «أبولو 11»، والتى أصبحت أول هبوط بشرى ناجح على سطح القمر وجمع عينات منه عام 1969، بل وأطلق فريق الرحلة تحية بالعربية خصيصاً لـ«الباز»، قائلين: «سلام إلى الملك». ومن ذلك التاريخ بدأت جوائز السماء تهبط على «سيد القمر»، فشغل المناصب الرفيعة فى مصر وخارجها، منها منصب مدير أبحاث الفضاء فى جامعة بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم كان مستشاراً علمياً للرئيس السادات فى العام 1978، ثم تأسيس وإدارة مركز دراسات الأرض والكواكب فى المتحف الوطنى للجو والفضاء بمعهد سميثونيان بواشنطن، وبلغ عدد المناصب التى شغلها «الباز» على مدار خمسين عاماً كعضو أو مبعوث أو رئيس ما يقرب من 40 منصباً فى المعاهد والمجالس واللجان، وبلغ عدد مؤلفاته 12 كتاباً، وأكثر من 540 ورقة علمية، وحصل على الكثير من التكريمات والأوسمة والجوائز، بل وتم إنشاء جائزة باسمه فى الولايات المتحدة الأمريكية لبحوث الصحراء، وكأن الله يبعث رسالة للبشر من خلال الرحلة العظيمة لهذا العالم الجليل: «احلموا.. وعافروا.. لا تيأسوا.. وجوائز السماء تنتظركم».