د. محمد غنيم.. الفارس النبيل

خالد يوسف

خالد يوسف

كاتب صحفي

كنت من أكثر أبناء جيلى حظاً، فقد عاصرت أو صادقت أو صاحبت كثيراً من الكبار، أمثال نجيب محفوظ ويوسف شاهين ويوسف إدريس وحسين كمال والأبنودى وأحمد فؤاد نجم وكمال الطويل وخالد محيى الدين وإدوارد سعيد وأسامة الباز والقائمة تطول.

وكان آخر هؤلاء الكبار العلامة الدكتور محمد غنيم، أحد أهم رواد زراعة الكلى فى العالم، فوجدته يتفوق عليهم جميعاً فى إنسانيته الفياضة وانحيازه الصادق والعملى للمستضعفين والفقراء، وأقول إن انحيازه كان عملياً وليس موقفاً مبدئياً ثابتاً وفقط، ولكنه ترجم ذلك عندما شيد أهم صرح طبى فى الشرق الأوسط، عالج فيه كل فقراء مصر بالمجان، ودون أن يعتمد على أى دعم من موازنة الدولة فى تشييده بالكامل على نفقة تبرعات من دول آمنت به قبل أن يؤمن به بنو وطنه.

دعونى أبدأ من بداية معرفتى الشخصية به إبان أحداث ثورة 25 يناير ٢٠١١، وتوثقت علاقتى به عندما زاملته فى كتابة دستور مصر فى العام ٢٠١٣، ووضع على صدرى وساماً وشارة عندما وجدت اسمى فى مذكراته وهو يتكلم عن جهدى فى لجنة الخمسين، ووصفنى بأوصاف ستظل مثار فخرى واعتزازى، وصار لقائى به من الأشياء التى أداوم عليها بدأب، فوجدت فيه الروح المرحة الرقيقة برغم صرامتها الحادة، يقدس الحياة وينتصر لها بأبدع ما يكون، ويعيش يومه منذ عشرات السنين كأنه اليوم الأخير، والعجب أنه يستطيع فى اليوم الواحد أن يوازن بين الاستمتاع بهذا الوقت بكافة الطرق، ويسعد أن يغرس نبتة لتنمو ويستعد بكل إيمان للقاء ربه.

حياة محمد غنيم زاخرة بأشياء قلما يستطيع إنسان أن يوفق بينها ويجيد فيها جميعاً.. بحث علمى ودأب فى الاطلاع على آخر النشرات الطبية والأبحاث فى العالم، بل ومشاركة فى المنتديات الطبية العالمية، وإلقاء محاضرات للأطباء حول العالم.. تشخيص ووصف علاج وعمليات لعشرات من فقراء مصر يومياً.. الإشراف على أهم مركز طبى لزراعة الكلى فى الشرق الأوسط، والتدقيق على كل تفاصيل عمله، ففى الثانية نفسها تجده فى مركز الأبحاث أو مركز حيوانات التجارب أو فى غرف العمليات أو فى المرور على غرف المرضى أو حتى فى قسم المغاسل والتنظيف.. ولا أنسى يوم زرته فى المرة الأولى فى المركز الطبى فى المنصورة فاندهشت بل وانبهرت بما رأيته.. مررت معه فى المركز فوجدت انضباطاً عسكرياً مذهلاً.. يختفى أمامه أطباء كبار حاصلون على الأستاذية إذا وجدوا أن زراراً فى ملبسهم غير منضبط.

ينطبق عليه القول واثق الخطوة يمشى ملكاً فى مملكته، وبالهمس وبالعين وبالصوت الخفيض تارة، وبالتوجيه الحازم تارة أخرى، يدير كل شىء وكأننا فى ماكينة ألمانية حسنة الصنع، وبعد فراغه من عمله يقوم بدعوتى على الغذاء فى منزله، تصورت عندما أهبط معه من المركز سأجد سيارة فارهة فى انتظاره كى تقلنا إلى قصر منيف على نيل مصر العظيم طالما قرر أن يعيش بين أبناء مدينته ومعشوقته المنصورة، وهذا سيكون شيئاً أكثر من طبيعى لرجل فى مكانته العالمية المرموقة، فإذا بى أمام سيارة موديل 1986، وتنتابنى دهشة أكبر عندما نصل لبيته لأجد شقة بسيطة فى عمارة، صحيح أن الشقة أشيك من الشياكة نفسها بفضل ذوقه وذوق زوجته أوروبية الأصل، لكنها بالبلدى كده كلها على بعضها لا تعدو إلا أن تكون شقة موظف بسيط فى الحكومة، فلما سألته باندهاش قال لى بابتسامة رضا تساوى الدنيا وما فيها ما أنا فعلاً موظف ليس لى دخل غير مرتبى أو معاشى بعد تقاعدى. وعلمت أنه رفض طوال عمره أن يتقاضى مليماً على أكبر العمليات الجراحية التى يجريها. وياللعجب عندما تجد هذا الرجل يقضى إجازته فى الغوص فى البحر الأحمر والتصوير بنفسه تحت الماء لمواد فيلمية، والعمل على مونتاجها بنفسه ثم وضع الموسيقى التى يختارها بنفسه لهذه المادة، لنجد فيلماً قصيراً مكتمل البناء سلس السرد بديع الصورة، به إمتاع بصرى هائل لا تستطيع إلا أن تقول إنه مخرج محترف، ولا يمكن أن تكتشف أنها مجرد هواية ولم يدرسها.. ومن مداومتى على لقائه وجدت يومه لا بد أن يخصص فيه وقتاً لسماع الموسيقى، خاصة السيمفونيات العالمية والموسيقى الشرقية، وعندما يتحدث فى الموسيقى تجده كأنه دارس لها وعالم بفنونها ومقاماتها.

ووقتاً آخر من يومه لا بد أن يخصصه لمشاهدة الأفلام، سواء الكلاسيكية التى يعيد مشاهدتها أو الأفلام الحديثة، فهو مطلع بشكل كبير على كل الثقافات السينمائية العالمية، وتحدثه عن رأيه فى فيلم كذا لتكتشف ناقداً واعياً وعميقاً يدرك أصول الحرفة، عالماً بتقنياتها، غواصاً فى بحر رؤى مبدعيها، كأنه جالسهم ورافقهم وهم يصنعونها، كل ذلك لم يمنعه من الاهتمام بأسرته ورعاية شئونها، فهو موضع الحسد لحسن تربية أولاده وإدارة بيته وشئون حياته الخاصة بمنتهى الحكمة والحنان والتفهم والحسم كما هى عادته دائماً.

وكى لا يطول المقال أكثر من اللازم سأختم بقصة بينه وبين الرئيس السادات تفهم منها المعنى الحقيقى لكلمة الزهد والاستغناء والرضا، فى العام 1979 كان الرئيس السادات فى زيارة للمنصورة، وقالوا له إن طبيباً شاباً استطاع أن يحصل على منحة أوروبية بمئات الملايين لكى يشيد مركزاً لعلاج أمراض الكلى بالمجان دون أن يكلف موازنة الدولة أى أعباء، فطلب أن يذهب ليراه ويرى المشروع، وكان المشروع ما زال أعمدة خرسانية ولا يوجد غير حجرة الغفير، وبها مكتب إيديال صاج وكرسى خشب متهالك، فأرادت المحافظة أن ترسل كراسى وتجهيزات تليق باستقبال رئيس الجمهورية، رفض الدكتور غنيم بشكل حاسم ورفض حتى النقاش فى ذلك، وقال الرئيس لو أراد الجلوس فلديه كرسى ومكتب، وجاء الرئيس ومعه نائبه حسنى مبارك ورئيس وزرائه والوزراء والمحافظ، وأخذه الدكتور غنيم فى جولة تفقدية يشرح فيها المشروع، وفوجئ الجميع بأن الرئيس يطلب كوب شاى فيأخذه الدكتور غنيم لغرفة الغفير ويجلسه على الكرسى الوحيد الموجود، وأمامه المكتب الإيديال الصاج والجميع واقف أمامه، ويقوم الدكتور غنيم بالرد على أسئلة الرئيس، وفى ختام اللقاء نظر الرئيس لنائبه وأمره بإصدار قرار بتعيين الدكتور غنيم مستشاراً طبياً للرئيس، وأمر بإعطاء رقمه الخاص له إذا احتاج أى شىء، فشكره الدكتور غنيم، وغادر الرئيس وتركه فى «حيص بيص» كما يقولون، لا يعلم كيف يتصرف فى هذا الموقف، فهو يعلم أن هذا المنصب كبير ولكنه قد يشغله عن إتمام المشروع الحلم، ولكن كيف الاعتذار للرئيس عن هذا التشريف، وبعد مدة قصيرة عزم على الذهاب للرئيس للاعتذار، شارحاً له أسبابه فحدثه تليفونياً وحدد له موعداً فى استراحة القناطر.

وذهب فى الموعد وبدأ الرئيس فى الحديث عن إعجابه بالمشروع، ثم سأله عن سبب طلبه للقاء، فقال متلعثماً عايز أتكلم فى موضوع المستشار الطبى للرئيس، ويبدو أن الرئيس على الأرجح وفى لمح البصر قد فهم ما يريد الدكتور غنيم أن يقوله، فخفف الموقف عليه ولم يسأله عن ماذا يريد أن يقوله فى هذا الموضوع ده، ولكنه بادر بالضحك بضحكته الشهيرة، وقال له هو أنا يا محمد محتاج مستشارين طبيين، أنا قلت كده قدام الناس عشان تعملك كارت تكتب عليه إنك مستشار الرئيس فأحوالك تمشى شوية، بدل ما أنت فقرى كده، وقهقه الرئيس وضحك الدكتور غنيم من قلبه وهو فى منتهى الراحة، لأن الرئيس أزال عنه حرج الاعتذار، سواء كان الرئيس صادقاً فيما قاله ولم يكن ينوى تعيينه مستشاراً طبياً أو أنه فهم ما كان سيقوله وأزال عنه الحرج.