محمد المخزنجى.. جرَّاح النفوس!
بعد صدور مجموعة الكاتب الكبير الدكتور محمد المخزنجى «أوتار الماء» عن دار «ميريت» اتصلت به وطلبت منه إجراء حوار. سمعت عن دماثة خلقه الشديدة من صديقى وزميلى فى «أخبار الأدب» محمد شعير، حيث تربطهما علاقة قوية، ومع ذلك شعرت بالتهيُّب، وخشيت أن يعتذر، لكنى فوجئت به يرحِّب بى ترحيباً بالغاً، ويذكر تفاصيل تحقيقات صحفية قرأها لى فى «أخبار الأدب»، ثم سألنى إن كنت أكتب الأدب إلى جوار الصحافة؟ أخبرته بأننى أمتلك مجموعة قصصية يتيمة صدرت منذ عام، أى فى 2002، اسمها «ساق وحيدة». طلب منى أن أُحضِر معى نسخة فى لقائنا بلوبى فندق الشيراتون بالدقى.
أدهشنى اختياره لفندق مكاناً للقاء، وأربكنى كذلك فأنا لا أحب الفنادق، وأشعر بالغربة بمجرد أن أجتاز أبوابها، لكنى بعد توالى اللقاءات فى «الشيراتون»، ثم «سفير» بالقرب من بيته، فهمت أنه يجد راحته فى تلك الأماكن، ربما لأنه لن يصطدم فيها سوى بالغرباء، فهو شخص يميل إلى العزلة والهدوء، وربما لأنها توفر له رؤية الوجوه من مختلف الجنسيات، كما اعتاد فى أسفاره المختلفة، إلى روسيا، ومختلف دول العالم، لإنجاز تلك الريبورتاجات الرفيعة لمجلة «العربى» الكويتية، عن ثقافات ولغات وجذور المدن البعيدة الكبرى، قبل سنواتٍ طويلة من قدرتنا على السفر إليها عبر الإنترنت ونحن جالسون فى مكاتبنا!
تأملته. وجدتُ السكينة تملؤه مع قدرٍ كبير من الرضا، كان مبتسمًا وودوداً، لديه وقار الأطباء النفسيين، يتحدث بهدوء، كلامه منظم، متدفق وواضح، وثقافته هائلة، لكنها جزءٌ من شخصيته، أى أن تلك الثقافة خاضعة له وللغته وطريقته، كأنه خُلق بها. ينصِتُ أيضاً بشكل جيد، ويركِّز فى كل حرفٍ تنطق به، ويعاملك بندية برغم فارق السنة والمكانة. انتهت أول مقابلة بانطباع رائع. أسرنى هذا الرجل كإنسان، بعد أن أسرنى بمجموعاته القصصية المذهلة «الموت يضحك»، و«سفر» و«رشق السكين»، وفهمت كيف يصير فردٌ تقابله لأول مرة إنساناً شديد القرب من روحك.
لم يرد لى «المخزنجى» طلباً أبداً كلما استطلعت رأيه فى تحقيق، يطلب منى أن أمهله يوماً أو يومين ليفكر فى الموضوع، ثم يملينى ما كتبه، لمستُ حرصه الشديد على علامات الترقيم، إذ يلفت انتباهى إلى موضع فاصلة أو فاصلة منقوطة أو نقطة أو علامة تعجب أو استفهام، وبسببه هو وإبراهيم أصلان تعلمت العناية باللغة حتى وأنا أكتب رسالة عادية. لا يحب «المخزنجى» التجمعات الصاخبة، روحه تحنُّ دوماً إلى الظل، صحيح أننى رأيته مرات نادرة فى ندوات، لكنى أعلم أنه يذهب تحت ضغط إلحاح أصحابها، أو محبته الشديدة لهم.
تعلمت من «المخزنجى» أيضاً فكرة التكثيف، ليس بمعنى خنق القصة فى مساحة صغيرة، أو حبسها فى علبة، فكثير من قصصه طويلة نسبياً، وبعضها يصل إلى أكثر من ثلاثة آلاف كلمة، كما هى الحال فى «بيانو فاطمة» و«صياد النسيم»، وإنما بمعنى أن تصبح كل كلمة ضرورية ولازمة، ولبنة فى الجدار، وليست نتوءاً فيه. إن أجمل ما فى أعماله على طولها أحياناً هى قدرتها على أن تشدك من السطر الأول إلى آخر كلمة، فقصة «صياد النسيم مثلاً»، تبدأ وبطلها يعانى الحر اللافح فى القاهرة، حتى يهديه تفكيره إلى ابتكار ما يمكن أن نسميه فخاخاً للنسيم العليل!
يصنع البطل ما يشبه الفتحات فى سقف شقته، ويمد أنابيب «الصاج» ويوجِّهها صوب الناحية البحرية على السطوح لتصطاد الهواء المنعش، وتنجح حيلته، ويصير جو الشقة لطيفاً، لكن يحدث ما ليس فى الحسبان، فأحد اللصوص قرر أن يستخدم واحدة من فتحات التهوية ونزل عبرها إلى الشقة، ثم انحشر فيها، بحيث أصبح رأسه وجزء من صدره داخل الشقة وساقاه وبطنه داخل الماسورة، ثم يأتى البطل ويشاهد اللص، ويبدأ حوار غريب بينهما!
وبنفس قدرة «المخزنجى» على إضحاكك، فإن لديه القدرة على لمس مناطق الإنسانية فى روحك وإبكائك، فى قصة أخرى بنفس المجموعة لا أتذكر اسمها الآن ينهض كهلٌ من موته وهو محمول فوق الأكتاف على نعش ليسأل بفزع عن ابنته التى يرتبط بها ارتباطاً عظيماً، ثم يعود إلى موته بعد أن يطمئن عليها!
وفى قصصه يستفيد «المخزنجى» من تجربته فى الحبس بعد مظاهرات 1977 فى المنصورة، يصوِّر حياة السجناء وتوقهم إلى الحرية وعلاقاتهم المعقدة بآمرى المعتقل، وكذلك يستفيد من معرفته بالطب النفسى والعلوم والأسفار وتجد فى أعماله تلك الضفيرة الجميلة من الأدب والمعرفة، وبالتالى ينتمى كثير منها إلى «الأوت شيرك»، وهو مصطلح يعنى تلك الخلطة من السرد الأدبى والمعلومات، وسوف تجد فى مجموعته «أوتار الماء» معرفة هائلة بالطب النفسى من خلال حالات شديدة الغرائبية.
بقيت إشارة أخيرة.. لقد أهديت المخزنجى مجموعتى «حروب فاتنة» ونسيت أمرها، وحين انتهيت من قراءة «صياد النسيم» اتصلت به وقلت له إننى فخور بأنك مصرى، وأن مصر تمتلك كاتباً عظيماً، وقلت له أيضاً إن أبطاله سوف يعيشون معى إلى الأبد، وفوجئت به يقول: «وأنا فخور كذلك بزمالة كاتب كبير، وموظفك فى قصة «الغرف المنسية» لن يفارقنى أبداً». شعرت بالسعادة، فالشهادة من كاتب كبير اسمه محمد المخزنجى.