سكينة فؤاد: سيدة الكتابة العابرة للقلوب والعقول

سيد المليجي

سيد المليجي

كاتب صحفي

حالة فريدة.. فى شخصيتها وملامحها، وُلدت على شاطئ قناة السويس.. وكأنها جنية قذفتها الأمواج، سقطت فى غواية الكتابة، ولم تعد قادرة على العودة إلى موطنها، فاختارت أن تصنع عالمها من بقايا وجوه وحواديت منثورة فى شوارع وبيوت بورسعيد. كانت تجمع حطام الحكايات، ثم تختلى بنفسها، وتعيد ترتيب ما جمعت، لتصنع مدينتها الباسلة، ترسم صور أبطالها بعناية.. وكأنهم شخوص حقيقية، رغم أنهم وُلدوا على أيدى فتاة صغيرة، كانت تقضى أغلب يومها مختبئة فى صندرة مليئة بالكتب والمجلات القديمة.. وأوراق بيضاء، وأقلام جاهزة للحظة ميلاد قصة جديدة تحمل توقيع سكينة فؤاد.. سيدة الكتابة العابرة للقلوب والعقول.

وُلدت سكينة فؤاد من رحم مدينة باسلة، لا ينقصها الأبطال، واختارت منذ سنواتها الأولى فى بورسعيد أن تنحاز لجمع الحكايات، كانت كثيرة الحركة بين البيوت والشوارع، شديدة التدقيق فى الملامح وبقايا الحواديت، تجمع حصاد نهارها، ثم تذهب إلى البحر.. لتُلقى على مسامعه حكاياتها الجديدة، وتُنصت لما يلقيه لها عبر الأمواج.. وكأنها تستقبل ملاحظاته، بعدها تعود إلى مخبئها الصغير المظلم.. الصندرة فى منزل والدتها، أو خزانة المجلات القديمة فى منزل والدها، هكذا أراد لها القدر أن تعيش بين منزلين، وفى الحالتين تقبض بين يديها على أوراق بيضاء وأقلام جاهزة لرسم صور أبطال عالمها، وبجوارهم تلصق قصاصات من الصحف القديمة، هكذا اعتادت أن تصنع وتستقبل لحظات ميلاد شخوص حكايتها.. ببراءة طفولية.. وعقل يعى ويؤمن بأنهم سيتصدرون الأضواء يوماً ما، وسيتحدث عنهم الجميع باعتبارهم أشخاصاً حقيقيين.. مثل أمهم التى ستحترف الكتابة خارج المخبأ الصغير المظلم.

كبر حلم الكتابة.. وكبرت معه صاحبته، وكان لا بد أن تبدأ رحلة الاحتراف، فجمعت سكينة فؤاد ما تيسّر من أبطالها وأوراقها، وجاءت إلى القاهرة لتلتحق بجامعتها العريقة. أزعجها فى البداية اتساع شوارع العاصمة الذى يحرمها من تدقيق الوجوه عن قرب، وحرمها زحام الحياة.. وغياب المخبأ الصغير المظلم.. من الانفراد بأبطال حكايتها الجدد، ولم يمنحها النيل تفاعل البحر الذى كان بمثابة صديقها المخلص والمتفاعل بأمواجه وقت حديثها إليه، لكنها سرعان ما أعادت ترتيب يومياتها، واختارت أن تعيش وتتجول فى رحاب البنايات العتيقة وشوارع القاهرة القديمة والأحياء الشعبية المليئة بالمآذن.. مثل مسجدى السيدة نفيسة والسيدة عائشة وجامع السلطان حسن والرفاعى والبيوت الأثرية، وبيت المهندس حس فتحى، وأصبح للمراهقة الوافدة عادات جديدة تعينها وتسمح لها بالاستمرار فى ممارسة هوايتها.. بل مهنتها الجديدة، وسرعان ما أصبح اسم سكينة فؤاد يتردد على الألسنة، ويدوّن على أغلفة الكتب، وتتزين به أوراق الصحف، ويتردد صداه عبر أثير الراديو ويتصدر تترات البرامج والمسلسلات التليفزيونية.. وأفلام السينما.

تمضى السنوات محملة بإبداعات متفردة لسيدة الكتابة الرشيقة، المقاتلة المدافعة عن وطن لا تتوقف عن توصيف أمراضه وأوجاعه، لكنها لا تصادر على أبنائه بتقديم تصور لعلاجات تراها الحل الأمثل لأزماته، بل تقدم خلاصة مشاهداتها وتجاربها بحرفية جنية تجيد كتابة الحكايات.. تتحدث إلينا من خلال شخوص صنعتهم من لحمها ودمها ونزيف تجاربها.. شخوص يشبهوننا للحد الذى يجعلنا نبحث عنهم فى الواقع، أو نعثر عليهم حين ننظر إلى أنفسنا فى المرآة.

نجحت سكينة فؤاد فى أن تجعل الكتابة جبهة للدفاع عن الوطن الذى تنشده، واختارت موقع المقاتل الذى لا يغادر الميدان، مهما كانت النتائج والظروف، ولا يقبل التقاعد بفعل السن، لأنها تمتلك مهارة شهرزاد التى انتصرت على الزمن بفعل الحكايات، وكلما كتبت حكاية يمنحها الزمن ميلاداً جديداً رغم أنف سياف الوقت.

تستحق سكينة فؤاد لقب «شهرزاد الصحافة»، ويكفيها أنها صانعة «ليلة القبض على فاطمة».. القصة التى سحرت مستمعى الإذاعة وتلقفتها السينما، وسارع إليها التليفزيون.. وجرى ترجمتها إلى عدة لغات، وتحولت إلى ملحمة خالدة فى الوجدان، لأنها حكاية صادقة لوطن من لحم ودم.. تعرض بدقة وعمق.. داءه ودواءه، أرضه وسماءه.. وما بينهما من تفاصيل وشخوص عابرين لكل زمان ومكان، حتى صانعة الرواية.. كانت موجودة فى الحكاية.. وستظل، لأنها سيدة الحكاية التى تمتلك ناصية الكلمة، والمقاتلة التى منحتنا أكثر مما تملك.. ومنحناها أقل مما تستحق.